أعاد قرار إعفاء الجنرال عبد القادر آيت وعرابي، الشهير بـ”الجنرال حسان”، من قيادة المديرية العامة للأمن الداخلي، تسليط الضوء على التحولات العميقة التي تعرفها أجهزة الأمن والاستخبارات في الجزائر، وسط تساؤلات متزايدة بشأن خلفيات هذا القرار وتداعياته على موازين القوة داخل المؤسسة العسكرية.
ووفق ما أوردته مجلة جون أفريك، فقد صدر قرار الإعفاء يوم 18 ماي الجاري، بعد أقل من عام على تعيينه في هذا المنصب الحساس، ليغادر القيادة بعد 342 يوما فقط، في واحدة من أقصر الفترات التي قضاها مسؤول على رأس الجهاز خلال العقد الأخير. وفي المقابل، تم تعيين اللواء منير زاهي خلفا له، وهو مسؤول عسكري يحظى بصورة الرجل القريب من دوائر النفوذ المحيطة برئيس الأركان السعيد شنقريحة.
غياب التوضيحات الرسمية
ولم يصدر أي توضيح رسمي يشرح أسباب هذا التغيير المفاجئ، سواء من رئاسة الجمهورية أو وزارة الدفاع، الأمر الذي غذى العديد من التكهنات حول طبيعة ما يجري داخل أحد أهم الأجهزة الأمنية في البلاد.
ويرى متابعون أن الصمت الرسمي يعكس حساسية الملف، خاصة أن المديرية العامة للأمن الداخلي تعتبر من أكثر المؤسسات تأثيراً في المشهد الأمني الجزائري، بحكم إشرافها على ملفات مرتبطة بالأمن الداخلي ومكافحة التجسس ومتابعة التهديدات العابرة للحدود.
مسلسل عدم الاستقرار مستمر
ولا تبدو هذه الإقالة حدثا معزولا، بل تأتي ضمن سلسلة تغييرات متلاحقة عرفتها قيادة الجهاز منذ سنة 2019، حيث تعاقب على رئاسته عدد من الأسماء البارزة في فترات زمنية متقاربة.
ويعتبر مراقبون أن هذا النسق المتواصل من التعيينات والإعفاءات يعكس استمرار إعادة هندسة مراكز القرار داخل المؤسسة الأمنية، في ظل تحديات أمنية متزايدة تشمل منطقة الساحل والحدود الجنوبية، فضلا عن التحولات السياسية الداخلية التي تعيشها الجزائر خلال السنوات الأخيرة.
إعادة ترتيب داخل المؤسسة العسكرية
وفي قراءة أوسع للمشهد، تبدو هذه التغييرات جزءا من عملية إعادة توزيع النفوذ داخل هرم المؤسسة العسكرية التي يقودها الجنرال السعيد شنقريحة، حيث شهدت السنوات الأخيرة تحولات كبيرة في بنية السلطة الأمنية منذ رحيل الفريق أحمد قايد صالح.
وتشير عدة قراءات إلى أن القيادة العسكرية تعمل على إعادة بناء مراكز القرار وفق توازنات جديدة، تضمن إحكام السيطرة على الأجهزة الحساسة وتعزيز الانسجام داخل المنظومة الأمنية والعسكرية في مرحلة إقليمية دقيقة.
تعيين منير زاهي ورسائل المرحلة المقبلة
ويمنح اختيار اللواء منير زاهي لقيادة الجهاز أبعاداً إضافية لهذه الخطوة، بالنظر إلى خبرته السابقة داخل المؤسسة الأمنية ومشاركته في ملفات تعاون عسكري وأمني دولي، من بينها لقاءات مشتركة مع مسؤولين أمريكيين في إطار الحوار العسكري بين البلدين.
كما يربط بعض المتابعين بين هذا التغيير وبين التطورات الأمنية التي شهدتها الجزائر خلال الأسابيع الأخيرة، والتي فرضت رفع مستوى اليقظة الأمنية في عدد من المناطق، وهو ما قد يكون قد دفع صناع القرار إلى إعادة تقييم أداء بعض القيادات وإعادة توزيع المسؤوليات داخل الأجهزة الحساسة.
مرحلة جديدة بعد إرث “توفيق”
وتأتي هذه التطورات في سياق المسار الطويل الذي عرفته الاستخبارات الجزائرية منذ نهاية حقبة محمد مدين، الذي قاد لسنوات جهاز “دائرة الاستعلام والأمن” وتمتع بنفوذ واسع داخل الدولة.
ومنذ إعادة هيكلة المنظومة الاستخباراتية سنة 2015، دخلت المؤسسة مرحلة جديدة اتسمت بتغييرات متكررة في القيادات وتعديلات مستمرة في الهياكل والصلاحيات، ما جعل ملف الأمن والاستخبارات أحد أكثر الملفات تعقيداً داخل المشهد السياسي الجزائري، وأحد أبرز المؤشرات على التحولات الجارية في مراكز النفوذ والقرار داخل الدولة.


