حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لم يكن الاجتماع الأمني الذي جمع مسؤولين فرنسيين وجزائريين في باريس حدثا عاديا في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، إذ جاء في ظرف حساس يسعى فيه الطرفان إلى إعادة ترميم جسور التواصل بعد أشهر طويلة من التوتر السياسي والدبلوماسي. غير أن الحدث سرعان ما اتخذ بعدا مختلفا بعدما أثار الغياب المفاجئ للجنرال رشدي فتحي موساوي، رئيس الاستخبارات الخارجية الجزائرية، سلسلة من التساؤلات حول الرسائل الكامنة وراء هذا الغياب وتوقيته.

محاولة لإعادة بناء العلاقات

والاجتماع الذي انعقد بمقر وزارة الداخلية الفرنسية جمع كبار المسؤولين الأمنيين من الجانبين بهدف إعادة تفعيل التعاون في ملفات تعتبر أساسية بالنسبة للبلدين، من بينها مكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية وتبادل المعلومات الأمنية والتنسيق في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ويأتي هذا اللقاء في سياق محاولات متواصلة لإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي بعد الأزمة التي شهدتها خلال العامين الماضيين، والتي امتدت من الخلافات السياسية والدبلوماسية إلى ملفات أمنية معقدة أثرت بشكل مباشر على مستوى التعاون بين البلدين.

غياب لافت يثير التساؤلات

ورغم الأجواء الإيجابية التي حاولت التصريحات الرسمية إبرازها عقب انتهاء الاجتماع، فإن المتابعين ركزوا على الغياب الواضح لرئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الجزائرية، الذي يعد من أبرز المسؤولين المفترض حضورهم في اجتماع من هذا المستوى، خاصة أن الملفات المطروحة ترتبط بشكل مباشر بالعمل الاستخباراتي والتنسيق الأمني الدولي.

وقد زاد هذا الغياب من حجم التكهنات في ظل استمرار التحقيقات الفرنسية المرتبطة بقضايا قيل إنها تتعلق بأنشطة استخباراتية جزائرية داخل فرنسا، وهي الملفات التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى مصدر توتر إضافي بين العاصمتين.

موساوي.. رجل الظل في الجزائر

ويعتبر الجنرال رشدي فتحي موساوي أحد أبرز الوجوه الأمنية داخل النظام الجزائري حاليا. فبعد مسار طويل داخل أجهزة الأمن، تمكن من الصعود بسرعة إلى مواقع القرار، قبل أن يتولى قيادة جهاز الاستخبارات الخارجية سنة 2024 خلفا للجنرال محمد جبار.

ويشرف هذا الجهاز على ملفات استراتيجية تشمل مكافحة الإرهاب وجمع المعلومات الخارجية ومتابعة القضايا الأمنية المرتبطة بالساحل والصحراء والعلاقات مع الأجهزة الأجنبية، ما يجعل رئيسه من بين أكثر الشخصيات تأثيرا داخل المنظومة الأمنية الجزائرية.

مستقبل التعاون تحت المجهر

ويرى مراقبون أن الاجتماع الأخير كشف وجود رغبة متبادلة في استئناف التعاون الأمني بين البلدين، لكنه أظهر في الوقت ذاته أن العديد من الملفات العالقة لم تحل بعد، وأن أزمة الثقة ما تزال حاضرة بقوة في خلفية العلاقات الفرنسية الجزائرية.

ومع استمرار باريس في إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية بمنطقة الساحل والضفة الجنوبية للمتوسط، وسعي الجزائر إلى فك العزلة التي رافقت الأزمة الأخيرة، تبقى الملفات الاستخباراتية والاتهامات المتبادلة من أبرز التحديات التي ستحدد مستقبل هذا التقارب وإمكانية عودة العلاقات إلى مستوياتها السابقة بشكل كامل.