في لحظة سياسية كان يفترض أن تتسم بالوضوح والانسجام داخل الفريق الحكومي، اختار وزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، أن يسلك مسارا مغايرا لما استقر عليه العمل المؤسساتي داخل المجالس الحكومية، وذلك بعقد ندوة صحافية منفردة مباشرة بعد اجتماع المجلس الحكومي، لتقديم مشاريع نصوص تهم المجلس الوطني للصحافة، بدل الظهور إلى جانب الناطق الرسمي باسم الحكومة كما جرت العادة.
ويثير هذا القرار، الذي يبدو في ظاهره مجرد ترتيب بروتوكولي، في العمق تساؤلات سياسية ومؤسساتية تتجاوز الشكل نحو الجوهر، خصوصًا أن الموضوع يتعلق بقطاع حساس، هو قطاع الصحافة، الذي يفترض أن يدار بمنطق الشفافية الجماعية والانسجام الحكومي، لا بمنطق المبادرات الفردية.
خروج عن تقليد حكومي راسخ
وجرت العادة داخل المجالس الحكومية أن يتولى الناطق الرسمي باسم الحكومة تقديم خلاصات المجلس خلال الندوة الأسبوعية، بحضور الوزراء المعنيين بالملفات التي صادق عليها المجلس، حيث يشاركون في توضيح تفاصيل النصوص التشريعية والإجراءات المتخذة، في إطار مقاربة جماعية تعكس وحدة القرار الحكومي.
غير أن اختيار بنسعيد عقد ندوة صحافية منفردة لتقديم مشاريع قوانين ومرسوم يهمان المجلس الوطني للصحافة، يشكل سابقة تنظيمية، ويطرح علامات استفهام حول دوافع هذا الخيار، وهل يتعلق بمحاولة احتكار التواصل السياسي حول ملف حساس، أم أنه يعكس خللا في التنسيق داخل الفريق الحكومي.
رسالة سياسية مقلقة
وفي العمل الحكومي، لا تقرأ الإشارات البروتوكولية بمعزل عن دلالاتها السياسية. فحين يقرر وزير الانفصال عن الندوة الرسمية للحكومة، في موضوع يهم الصحافة، فإن الرسالة التي تصل إلى الجسم الإعلامي والرأي العام ليست محايدة.

وقد تفهم الخطوة على أنها رغبة في التحكم الفردي في السردية الرسمية حول مشاريع تخص المجلس الوطني للصحافة، أو محاولة للالتفاف على النقاش الجماعي الذي يفترض أن يتم تحت سقف الندوة الحكومية الرسمية، حيث تتقاطع الأسئلة وتطرح الملفات في إطار من المساءلة العمومية.
كما أن هذه المبادرة المنفردة قد تعطي الانطباع بأن الوزير يتعامل مع ملف الصحافة كملف شخصي أو قطاعي ضيق، بدل اعتباره قضية حكومية شاملة تمس صورة الدولة ومصداقية مؤسساتها أمام الرأي العام الوطني والدولي.
هل كان رد فعل على قرار حكومي؟
وتزداد الأسئلة حدة حين يربط هذا السلوك بسياق سابق يتعلق برفض الحكومة إحداث لجنة إدارية لتدبير شؤون الصحافيين. فهل يمكن قراءة هذه الندوة المنفردة كرد فعل سياسي غير معلن؟ وهل الوزير بنسعيد “بقا فيه الحال” بعد أن لم يتم تبني خيار اللجنة الإدارية كما كان مطروحا في بعض النقاشات؟
إن كان الأمر كذلك، فإن تحويل الخلافات أو التحفظات الداخلية إلى سلوك تواصلي منفصل عن الإطار الجماعي للحكومة لا يخدم صورة الانسجام المؤسساتي، بل يعكس توترا في تدبير ملف يفترض أن يعالج بروح المسؤولية المشتركة. فوزير التواصل، بحكم موقعه، مطالب بترسيخ ثقافة العمل الجماعي داخل الحكومة، لا إعطاء إشارات توحي بوجود تباينات تدار عبر المنابر الإعلامية بدل المؤسسات.
ملف حساس يستدعي مقاربة جماعية
والمجلس الوطني للصحافة ليس مؤسسة عادية، بل هو هيئة تنظيمية يفترض أن تجسد مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة، وأن تشكل صمام أمان للتوازن بين حرية التعبير وأخلاقيات المهنة.
وأي تعديل قانوني أو تنظيمي يهم هذه المؤسسة، يفترض أن يتم في أجواء من الانفتاح والحوار المؤسساتي، وأن يعرض أمام الرأي العام في إطار جماعي يعكس مسؤولية الحكومة ككل، لا في إطار مبادرات فردية قد توحي بوجود أجندات أو حسابات خاصة.
أزمة ثقة مع الجسم الصحافي
وما يزيد من حساسية هذه الخطوة، هو السياق العام الذي يحيط بملف المجلس الوطني للصحافة، حيث يعيش القطاع منذ سنوات على إيقاع توترات ومخاوف مرتبطة بمستقبل التنظيم الذاتي للمهنة، وبطبيعة التعديلات القانونية المرتقبة.
وفي مثل هذا المناخ، كان ينتظر من الوزير أن يعزز الثقة مع الجسم الصحافي، من خلال مقاربة تشاركية شفافة، بدل تقديم صورة توحي بالتفرد في القرار أو محاولة التحكم في الإيقاع السياسي والإعلامي للملف.
بين المسؤولية الحكومية والحسابات السياسية
ولا يقاس السلوك السياسي داخل الحكومة فقط بمضامين القرارات، بل أيضا بطريقة تقديمها للرأي العام. وحين يختار وزير مسارا مغايرا للتقليد الحكومي في ملف يهم الصحافة، فإن ذلك يفتح الباب أمام تأويلات سياسية، بعضها قد يكون أكثر حدة من مضمون النصوص نفسها.
فهل نحن أمام مجرد اختيار تواصلي عابر، أم أن الأمر يعكس رؤية سياسية تقوم على شخصنة الملفات وتدبيرها خارج الإطار الجماعي للحكومة؟
وفي كلتا الحالتين، تبدو الرسالة سلبية، لأنها توحي بوجود خلل في الانسجام الحكومي، وتغذي الشعور بأن ملف الصحافة يدار بمنطق منفرد، في وقت تحتاج فيه المهنة إلى إشارات قوية على احترام التعددية والحوار المؤسساتي.
فقرار الوزير بنسعيد عقد ندوة صحافية منفردة بعد المجلس الحكومي ليس تفصيلا تقنيا عابرا، بل مؤشر سياسي يستحق القراءة والتأمل. ففي زمن تتعاظم فيه تحديات الإعلام، وتتزايد فيه الحاجة إلى الثقة بين الدولة والصحافيين، تصبح طريقة تدبير الملفات أكثر أهمية من النصوص نفسها.
والرسالة التي خرجت من هذا السلوك تبدو واضحة، قطاع الصحافة لا يحتمل حسابات ضيقة ولا ردود فعل ظرفية، بل يحتاج إلى وضوح سياسي، وانسجام حكومي حقيقي، يضع مصلحة المهنة فوق كل اعتبار.


