تشهد الجغرافيا السياسية للمنطقة اهتزازات عميقة تعيد رسم خرائط التحالفات وتكشف هشاشة رهانات بنيت لسنوات على دعم خارجي ظرفي. ومع كل ضربة تتلقاها طهران، يتقلص نفوذها الإقليمي وتتراجع قدرتها على لعب أدوار بالوكالة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أطراف ظلت تستند إلى هذا الغطاء السياسي والأمني، وفي مقدمتها الجزائر وجبهة البوليساريو.
ولم تكن العلاقة بين الجزائر وطهران مجرد تقاطع عابر في المواقف، بل قامت خلال مراحل معينة على تنسيق سياسي وتبادل أدوار في ملفات إقليمية حساسة. غير أن التطورات الأخيرة، وما رافقها من استهداف قيادات إيرانية بارزة، أضعفت صورة إيران كفاعل قادر على حماية حلفائه أو توفير مظلة استراتيجية لهم. هذا التحول يضع الجزائر أمام واقع مغاير تماما لما اعتادت عليه في السنوات الماضية.
رهان المحاور وسقوط الحسابات
ولسنوات، حاولت الجزائر توظيف شبكة تحالفات خارجية لتعزيز موقفها في ملف الصحراء المغربية، سواء عبر تحركات دبلوماسية أو عبر دعم أطروحات مناوئة للمقترح المغربي للحكم الذاتي. وكانت إيران تعتبر ضمن هذا السياق داعما غير مباشر، سواء من خلال التقاطعات السياسية أو عبر نماذج مستلهمة من حروب النفوذ غير التقليدية.
غير أن هذا الرهان يبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فحين يفقد الحليف قدرته على التأثير، يصبح الاعتماد عليه عبئا بدل أن يكون سندا. وهنا تبرز الإشكالية الكبرى في المقاربة الجزائرية، بناء استراتيجية إقليمية على توازنات خارجية متقلبة بدل الانخراط في مقاربة واقعية تراعي التحولات الدولية.
انعكاسات مباشرة على ملف الصحراء
والتغير في موازين القوى الدولية لا يخدم خطاب التصعيد. فالمفاوضات المرتقبة حول الحكم الذاتي تجري في سياق دولي يميل بشكل واضح إلى دعم المقترح المغربي، خاصة مع متابعة أمريكية مباشرة وازدياد عدد الدول التي تعتبر المبادرة المغربية إطارا جديا وواقعيا للحل.
ويضع هذا التحول الجزائر والبوليساريو في موقع دفاعي. لم يعد خطاب المواجهة قادرا على حشد الزخم نفسه، ولم تعد أوراق الضغط التقليدية فعالة كما في السابق. ومع تراجع الإمكانيات الإيرانية، تتقلص كذلك هوامش المناورة التي كانت تُبنى على فرضية وجود محور داعم قادر على إرباك التوازنات.
تندوف وشبكات النفوذ.. أسئلة مفتوحة
وتطرح اليوم تساؤلات جدية حول مستقبل أي تنسيق ميداني محتمل في مناطق مثل تندوف، في ظل تغير المعادلات الإقليمية. فإذا كان الدعم الخارجي يشكل ركيزة أساسية لبعض شبكات النفوذ، فإن تراجعه يفرض إعادة تقييم شاملة للخيارات المتاحة.
ويكشف المشهد الراهن أن المقاربة القائمة على التصعيد وتدويل النزاع عبر محاور إيديولوجية لم تعد تجد صدى دوليا قويا. بل إن المزاج الدولي يتجه نحو تسويات مستقرة ودائمة، بعيدا عن حسابات الحرب الباردة الجديدة أو رهانات المحاور المتشددة.
الجزائر أمام اختبار الواقعية
وتضع التحولات الجارية الجزائر أمام مفترق طرق حقيقي، إما الاستمرار في سياسة الإنكار والارتهان لتحالفات ظرفية أثبتت محدوديتها، أو الانخراط في مسار سياسي أكثر واقعية يعترف بتغير موازين القوى ويبحث عن حلول عملية بدل تغذية الصراع.
وفي النهاية، تبدو الرسالة واضحة، زمن الاستثمار في الأزمات لإدارة النفوذ قد ولى، والمرحلة المقبلة ستدار بلغة المصالح والاستقرار. وكل طرف يصر على تجاهل هذا التحول سيجد نفسه معزولا في معادلة دولية لا تنتظر المترددين.

