Site icon H-NEWS آش نيوز

نزاع الصحراء يدخل مرحلة كسر العظام دبلوماسيا والجزائر تحت المجهر

الاعتراف بالصحراء المغربية

تكشف معطيات متطابقة من كواليس الجولتين التفاوضيتين اللتين احتضنتهما مدريد وواشنطن حول ملف الصحراء أن النقاشات انحصرت في كيفية تنزيل مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، دون إدراج أي خيار بديل على الطاولة. وعكست التحركات الدبلوماسية الأخيرة تحولا نوعيا في طريقة إدارة الملف، حيث انتقل النقاش من البحث عن “حلول نظرية” إلى الخوض في تفاصيل قانونية وسياسية دقيقة ترتبط بكيفية التنفيذ العملي للمبادرة المغربية.

مناورات دبلوماسية خلف الأبواب المغلقة

وشكلت الجولة الأولى التي جرت في مدريد برعاية أمريكية وبحضور أممي، نقطة انطلاق لعرض التصور المغربي بصيغته المفصلة، قبل أن تنتقل المشاورات في واشنطن إلى مناقشة الإطار القانوني المنظم للحكم الذاتي، استنادا إلى مرجعيات مجلس الأمن ذات الصلة.

واللافت في هذا المسار أن الأمم المتحدة حاولت الحفاظ على توازنها التقليدي عبر التشبث بمفهوم “تقرير المصير”، لكن في صيغة مؤطرة ضمن الحكم الذاتي، بما يسمح بتفادي سابقة قانونية قد تنعكس على نزاعات أخرى حول العالم.

في المقابل، تحركت واشنطن بنهج أكثر براغماتية، واضعة نصب أعينها هدفا واضحا، إنهاء النزاع خلال أفق زمني لا يتجاوز سنة 2026، ضمن تصور “حل شامل” يدمج البعد السياسي بالأبعاد الاقتصادية والأمنية.

الجزائر أمام مفترق طرق

وخصص الجانب الأمريكي مشاورات ثنائية مباشرة مع المسؤولين الجزائريين، في مسعى لدفعهم نحو الانخراط الفعلي في مسار التسوية بدل الاكتفاء بخطاب “الطرف غير المعني”. هذا التحرك يعكس إدراكا أمريكيا بأن مفتاح الحل يمر عبر الجزائر، باعتبارها الطرف الداعم لجبهة البوليساريو سياسيا وعسكريا.

ووفق المعطيات المتداولة، عرضت واشنطن حزمة من المحفزات الاقتصادية والاستراتيجية: إعادة تشغيل خط الغاز المغاربي الأوروبي، فتح الأجواء واستئناف الرحلات المباشرة، فتح الحدود البرية تدريجيا، بل وحتى إدماج مشاريع استراتيجية مثل استغلال منجم غار الجبيلات ضمن إطار تعاون إقليمي أوسع يمتد إلى الموانئ الأطلسية.

كما طرحت إمكانيات تعاون دفاعي وأمني مع الولايات المتحدة، بما في ذلك تحديث الترسانة العسكرية الجزائرية وتقليص الضغط المرتبط بصفقاتها مع موسكو، مقابل انخراط واضح في تسوية النزاع على أساس الحكم الذاتي.

سياسة العصا والجزرة

غير أن المقاربة الأمريكية لم تقتصر على الإغراءات. فقد لوحت واشنطن بإمكانية تفعيل أدوات ضغط ثقيلة، من بينها مشاريع قوانين داخل الكونغرس تتعلق بصفقات السلاح الروسية، أو تصنيف البوليساريو تنظيما إرهابيا، إضافة إلى عقوبات محتملة تمس شخصيات ومؤسسات جزائرية.

ويعكس هذا التلويح تحولا في المزاج السياسي داخل واشنطن، حيث لم تعد الجزائر تنظر إليها كفاعل إقليمي محايد، بل كطرف معرقل لمسار تسوية تعتبره الولايات المتحدة مدخلا لإعادة ترتيب توازنات شمال إفريقيا.

 أزمة رؤية في الجزائر

الموقف الجزائري، كما يظهر من مجريات التفاوض، يراوح بين طلب ضمانات أمنية مرتبطة بحدود 1962، وبين التخوف من أي تطبيع شامل مع المغرب قد يفهم داخليا كتنازل سياسي. غير أن هذا السلوك يعكس، في جوهره، أزمة رؤية استراتيجية لدى صانع القرار الجزائري.

فالرهان المستمر على إدامة النزاع كورقة ضغط إقليمية أصبح مكلفا سياسيا واقتصاديا. الجزائر التي تواجه تحديات داخلية مرتبطة بالتنمية والبطالة والاعتماد المفرط على عائدات الطاقة، تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة، إما الانخراط في تسوية تفتح آفاقا اقتصادية مغاربية واعدة، أو الاستمرار في منطق الاصطفاف الإيديولوجي الذي يعزلها تدريجيا عن التحولات الجيوسياسية.

كما أن الارتهان المتزايد لمحور موسكو–طهران، في سياق دولي متوتر، يضع الجزائر تحت مجهر رقابة غربية متصاعدة، ويحد من هامش مناوراتها الدبلوماسية.

نحو نهاية صراع نصف قرن؟

وتفيد المؤشرات الحالية بأن واشنطن عازمة على دفع الملف نحو الحسم ضمن إطار الحكم الذاتي، مع ربط التسوية بإعادة تشكيل العلاقات المغربية–الجزائرية على أسس اقتصادية وأمنية جديدة. غير أن نجاح هذا المسار يظل رهينا بمدى استعداد الجزائر للتخلي عن خطاب “إدارة الأزمة” والانتقال إلى منطق “صناعة الحل”.

 

Exit mobile version