دخل وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، في جدل سياسي وإعلامي واسع بعد تصريحات اعتبرت مستفزة لجزء كبير من الجالية المغربية المقيمة بالخارج. فقد اختار الوزير، خلال مداخلة عمومية، التقليل من فكرة منح امتيازات خاصة لمغاربة العالم عند عودتهم إلى المغرب، معتبرا أن الرجوع إلى الوطن أمر عادي لا ينبغي التعامل معه باعتباره استثناء يستحق معاملة تفضيلية.
غير أن هذا الطرح سرعان ما أثار موجة من الانتقادات، إذ رأى فيه العديد من المتابعين خطابا سياسيا غير محسوب العواقب، خصوصا أنه صادر عن مسؤول حكومي في موقع يفترض أن يكون من أبرز المدافعين عن جذب الاستثمارات والكفاءات المغربية المنتشرة في الخارج.
خطاب حكومي يفتقد للحس السياسي
والجدل لم يكن مرتبطا فقط بمضمون التصريح، بل أيضا بالرسالة السياسية التي حملها. فالكثير من المتابعين اعتبروا أن كلام الوزير يعكس ضعفا واضحا في فهم حساسية العلاقة بين الدولة والجالية المغربية، خاصة في وقت تبذل فيه المملكة جهودا كبيرة لتعزيز الروابط مع مغاربة العالم وتشجيعهم على الاستثمار في بلدهم.
وفي نظر عدد من المحللين، فإن المسؤول الحكومي عندما يتحدث عن الجالية يجب أن يدرك أن خطابه لا يوجه فقط إلى فئة اجتماعية، بل إلى ملايين المغاربة الذين يشكلون امتدادا اقتصاديا واستراتيجيا للمغرب عبر العالم.
جالية تضخ مليارات في الاقتصاد الوطني
ويضع الواقع الاقتصادي تصريحات الوزير في موضع تساؤل كبير، فمغاربة العالم يمثلون اليوم أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني، إذ تضخ تحويلاتهم سنويا مليارات الدراهم في الدورة الاقتصادية، ما يجعلها من أكبر مصادر العملة الصعبة في البلاد.
إضافة إلى ذلك، تشكل الجالية المغربية رافعة مهمة لنقل الخبرات الدولية والتجارب المهنية التي اكتسبها أبناؤها في مختلف القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية عبر العالم.
ولذلك يرى كثير من المراقبين أن التعامل السياسي مع هذه الفئة يجب أن يقوم على خطاب يحفزها ويعزز ثقتها في بلدها، لا أن يبعث برسائل قد تفهم وكأنها تقليل من مساهمتها أو من أهمية دورها.
انتقادات تطال أولويات الوزير
غير أن الانتقادات لم تتوقف عند حدود تصريحات الوزير حول الجالية، بل تجاوزتها إلى التساؤل حول أولويات وزير الصناعة نفسه. فعدد من المتابعين اعتبروا أنه بدل الخروج بتصريحات مثيرة للجدل حول مغاربة العالم، كان من الأجدر بالوزير أن يقدم توضيحات للرأي العام بشأن مشروع شركة “نيوموتورز” الذي أثار الكثير من التساؤلات في الآونة الأخيرة.
ويرى منتقدون أن المغاربة ينتظرون من الوزير، ومعه وزير الثقافة المهدي بنسعيد الذي ارتبط اسمه بدعم المشروع، تقديم إجابات واضحة حول مختلف الانتقادات التي أثيرت بشأن هذا الملف، خصوصا بعد الجدل الذي رافق ما وصفه متابعون بـ”فضيحة السيارة الصينية” التي أعادت طرح تساؤلات حول حقيقة المشروع وحدود الشفافية في تدبيره.
واقع استثماري معقد
وأعادت الانتقادات الموجهة لوزير الصناعة إلى الواجهة إشكالا أعمق يتعلق بالصعوبات التي يواجهها عدد من مغاربة العالم عندما يحاولون الاستثمار في المغرب. فعدد من أفراد الجالية يشكون منذ سنوات من تعقيد المساطر الإدارية وطول الإجراءات وضعف المواكبة المؤسساتية، وهي عوامل تجعل العديد منهم يترددون في تحويل مشاريعهم الاستثمارية إلى أرض الواقع داخل المغرب.
وفي ظل هذا السياق، يرى خبراء اقتصاديون أن المطلوب من المسؤولين الحكوميين ليس التقليل من أهمية الامتيازات أو التسهيلات، بل العمل على إزالة العراقيل التي تحول دون مساهمة الجالية بشكل أكبر في الاقتصاد الوطني.
الحاجة إلى خطاب مسؤول
ووضعت تصريحات مزور وزارة الصناعة في قلب نقاش سياسي وإعلامي واسع، إذ اعتبر منتقدوه أن الوزير أخطأ التقدير عندما اختار هذا النوع من الخطاب في موضوع حساس يمس ملايين المغاربة.
فبدلا من تقديم رؤية واضحة وحلول حول كيفية استقطاب الكفاءات المغربية في الخارج وتعزيز استثماراتها داخل البلاد، بدا الوزير، في نظر منتقديه، وكأنه يقلل من أهمية السياسات التحفيزية التي تعتمدها العديد من الدول لجذب كفاءاتها المهاجرة.
ضرورة مراجعة الخطاب تجاه مغاربة العالم
وفي ظل هذا الجدل، يطرح عدد من المتابعين ضرورة إعادة النظر في أسلوب الخطاب السياسي الموجه للجالية المغربية. فمغاربة العالم لم يعودوا مجرد فئة اجتماعية مرتبطة بالوطن من بعيد، بل أصبحوا فاعلا اقتصاديا واستراتيجيا مؤثرا في مسار التنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز الثقة مع الجالية لا يمر فقط عبر الشعارات، بل يتطلب سياسات عملية وخطابا سياسيا يعكس تقديرا حقيقيا للدور الذي تلعبه هذه الفئة في دعم الاقتصاد الوطني وترسيخ حضور المغرب على الساحة الدولية.

