حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لم يعد النقاش داخل المؤسسات الأوروبية بشأن قضية الصحراء المغربية محصورا في لغة المواقف الدبلوماسية التقليدية، بل بدأ يتخذ منحى أكثر عملية يقوم على ربط المواقف السياسية بالمبادرات الاقتصادية والاستثمارية. وفي هذا السياق، برز الموقف البلجيكي الأخير كإشارة واضحة على تحول في مقاربة عدد من العواصم الأوروبية تجاه هذا الملف.

فخلال زيارة رسمية إلى الرباط في مستهل الأسبوع الجاري، أعلنت بلجيكا دعمها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في خطوة تعكس تغيرا تدريجيا في تموضع بعض الدول الأوروبية التي باتت ترى في هذا المقترح أساسا واقعيا لمعالجة النزاع الإقليمي.

غير أن اللافت في هذا الموقف أنه لم يقتصر على الجانب السياسي، بل تزامن مع توجه معلن نحو تعزيز الحضور الاقتصادي البلجيكي في الأقاليم الجنوبية، ما يعكس انتقال بعض الشركاء الأوروبيين من مرحلة التعبير عن المواقف إلى مرحلة ترجمتها عبر مشاريع استثمارية ملموسة.

الأقاليم الجنوبية وجهة اقتصادية واعدة

وتشير التطورات الجديدة إلى أن الأقاليم الجنوبية للمملكة لم تعد تنظر إليها فقط من زاوية النزاع السياسي، بل أصبحت محط اهتمام اقتصادي متزايد من قبل شركات أوروبية تبحث عن فرص استثمارية في قطاعات واعدة.

ويأتي هذا الاهتمام في سياق ما تحقق خلال السنوات الأخيرة من مشاريع بنية تحتية كبرى، جعلت المنطقة أكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات الدولية. ويبرز في هذا الإطار مشروع ميناء الداخلة الأطلسي الذي يرتقب أن يتحول إلى منصة لوجستية استراتيجية تربط أوروبا بعمق القارة الإفريقية، ما يفتح آفاقاً واسعة أمام قطاعات الصيد البحري، الطاقات المتجددة، والخدمات اللوجستية المرتبطة بسلاسل التبريد والنقل البحري.

كما أن الموقع الجغرافي للأقاليم الجنوبية يمنحها أفضلية إضافية، باعتبارها نقطة عبور نحو الأسواق الإفريقية الصاعدة، وهو ما يجعلها مجالا مغريا للشركات الأوروبية الراغبة في توسيع حضورها في القارة.

تحول تدريجي في المقاربة الأوروبية

وتوحي المؤشرات الحالية بأن عددا من الدول الأوروبية بدأ يعيد صياغة مقاربته تجاه ملف الصحراء المغربية، عبر الربط بين الموقف السياسي والانخراط الاقتصادي في مشاريع التنمية بالمنطقة.

هذا التحول يعكس توجها نحو تحويل الدعم الدبلوماسي إلى شراكات اقتصادية فعلية، من خلال إطلاق مشاريع إنتاجية ونقل التكنولوجيا والخبرات في مجالات حيوية مثل الطاقات المتجددة وتحلية المياه، إضافة إلى دعم المبادرات التنموية التي تعزز فرص الشغل وتدعم الاقتصاد المحلي.

وفي هذا السياق، تظهر الأرقام حجم الترابط الاقتصادي بين المغرب والاتحاد الأوروبي. فوفق معطيات المفوضية الأوروبية لسنة 2024، يستحوذ الاتحاد الأوروبي على حوالي 59 في المائة من إجمالي المبادلات التجارية للمغرب، بينما بلغت قيمة التجارة في السلع نحو 60.6 مليار يورو خلال السنة نفسها. كما تتجه ما يقارب 67.7 في المائة من الصادرات المغربية نحو السوق الأوروبية.

أما على المستوى الثنائي، فقد بلغت صادرات بلجيكا إلى المغرب حوالي 1.39 مليار دولار خلال سنة 2024، وهو رقم مرشح للارتفاع في ظل اهتمام الشركات البلجيكية بقطاعات الهندسة الصناعية والطاقة والمياه داخل السوق المغربية، بما في ذلك المشاريع المرتبطة بالأقاليم الجنوبية.

شراكة اقتصادية تعزز الاستقرار الإقليمي

ويأتي التوجه البلجيكي الجديد في سياق أوروبي أوسع، بعد مواقف مماثلة صدرت في السنوات الأخيرة عن دول مؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي، ما يعكس تزايد القناعة بضرورة اعتماد مقاربة واقعية تجمع بين التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي.

وتشير المعطيات إلى أن الاستثمار أصبح يشكل إحدى الأدوات الأساسية لتعزيز الاستقرار الإقليمي، إذ يسهم في إدماج الأقاليم الجنوبية في الدينامية الاقتصادية الدولية ويحولها إلى مركز اقتصادي يربط بين أوروبا وإفريقيا.

وفي ضوء هذه التحولات، يبدو أن مسار التعامل الأوروبي مع قضية الصحراء يتجه تدريجيا نحو نموذج جديد يقوم على دعم مشاريع التنمية والبنية التحتية، باعتبارها مدخلا لترسيخ الاستقرار وتعزيز التكامل الاقتصادي بين الضفتين.