حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لم يكن وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، في حاجة إلى أكثر من كلمة واحدة لإشعال موجة واسعة من الجدل والسخرية في الفضاء العام. كلمة واحدة فقط، “بالزعط“. عبارة دارجة متداولة في الأحاديث اليومية، لكنها في السياق الحكومي تحولت إلى قنبلة لغوية صغيرة كشفت، دون قصد ربما، حجم الهوة بين خطاب السلطة وانتظارات المغاربة، خاصة أبناء الجالية المغربية بالخارج.

العبارة التي تعني ببساطة، “وما المهم؟” أو “ومن بعد؟”، ليست مجرد كلمة عابرة في قاموس الدارجة، بل تحمل شحنة من الاستهانة والتقليل من قيمة الموضوع. وحين تخرج من فم مسؤول حكومي يفترض أنه يتحدث باسم دولة ومؤسسات، فإنها تتحول من مجرد تعبير دارج إلى رسالة سياسية ملتبسة.

لغة الشارع في خطاب السلطة

من حق السياسي أن يتحدث بلغة بسيطة، بل وحتى بلغة قريبة من الناس. لكن بين البساطة والابتذال خيط رفيع. وعندما يقول وزير مخاطبا موضوعا يتعلق بالجالية المغربية عبارة مثل “بالزعط”، فإن الأمر لا يبدو كدعابة عابرة بقدر ما يبدو وكأنه تلخيص غير مقصود لطريقة تدبير بعض الملفات الحكومية.

فإذا كانت عبارة “بالزعط” تعني “وما المهم؟”، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بسخرية هو، بالزعط عندما تقدم وزارة حصيلة عملها؟

بالزعط عندما يعرض على المغاربة تقرير طويل عن إنجازات وردية، لا يظهر فيه إلا الجانب المضيء، بينما تترك الظلال الثقيلة بعيدا وخلف الكواليس؟

حصيلة وردية.. بلا مرآة

وعندما يتحدث وزير عن حصيلة وزارته، يفترض أن يقدم صورة كاملة، النجاحات والإخفاقات معا. لكن ما يحدث غالبا هو العكس تماما. حصيلة مليئة بالأرقام، بالشراكات، بالمذكرات، بالاتفاقيات… وبالابتسامات أيضا. لكن بالزعط عندما يتعلق الأمر بالأسئلة الحقيقية، من المستفيد من كل هذه الشراكات الصناعية؟ وأين هي آثارها الفعلية على التشغيل؟ ولماذا لا يعرف المواطن المغربي تفاصيل هذه الاتفاقيات التي توقع باسمه؟

في البيانات الرسمية، كل شيء يبدو مثاليا. مصانع تفتح، استثمارات تتدفق، وشراكات دولية توقع في احتفالات رسمية. لكن خارج هذه البلاغات، من يربح فعلا من هذه الصفقات؟

سياسة “بالزعط”

الخطير في الأمر ليس الكلمة في حد ذاتها، بل العقلية التي قد تختبئ خلفها. عقلية تختصر النقاش العمومي في ردود مقتضبة، وتتعامل مع الانتقادات وكأنها مجرد ضجيج.

فإذا كان الوزير يقول “بالزعط” عندما يثار موضوع الجالية أو تطرح تساؤلات حول السياسات العمومية، وإذا كان الوزير يتحدث عن إنجازاته الكبرى – على حد قوله – فتختصر هي الأخرى في “بالزعط”، فلا بد من التذكير بأن الوزير يتقاضى شهريا ملايين السنتيمات مقابل أداء هذا العمل، ولهذا، فإن بعض المواطنين قد يردون بالمنطق نفسه، بالزعط لتلك الحصيلة التي تكتب بلغة البلاغات، وبالزعط لتلك الشراكات التي لا يعرف أحد تفاصيلها، وبالزعط لتلك الأرقام التي لا تنعكس دائما على الواقع الاقتصادي للمغاربة.

عندما تتحول السياسة إلى مادة للسخرية

وتعاني السياسة في المغرب أصلا من أزمة ثقة عميقة. واللغة المستعملة في الخطاب السياسي ليست تفصيلا صغيرا، بل عنصر أساسي في بناء تلك الثقة أو هدمها. وعندما يسمع المواطن وزيرا يستعمل عبارة مثل “بالزعط” في موضوع حساس، فإن رد الفعل الطبيعي لن يكون النقاش الأكاديمي الهادئ.. بل السخرية.

لأن السياسة حين تفقد جديتها في اللغة، تصبح تلقائيا مادة للنكتة. وهنا ربما يكمن الدرس الحقيقي من هذه الحكاية اللغوية الصغيرة، في زمن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، قد تكون كلمة واحدة كافية لتكشف الكثير، اسمها.. بالزعط.