تجد الجزائر نفسها مرة أخرى في موقف دبلوماسي معقد داخل الفضاء العربي، بعدما بدا خطابها الرسمي تجاه التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج متسما بالحذر الشديد، بل وبقدر من الغموض الذي أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة تموضعها الإقليمي وتحالفاتها السياسية.
ففي الوقت الذي عبرت فيه عدة عواصم عربية عن مواقف واضحة إزاء التطورات الأمنية التي شهدتها منطقة الخليج، اكتفت الدبلوماسية الجزائرية ببيانات عامة تتحدث عن “قلق إزاء الوضع في الشرق الأوسط” دون تسمية الأطراف المسؤولة عن التصعيد أو توجيه إدانة مباشرة للهجمات التي استهدفت منشآت مدنية وبنية تحتية في دول عربية.
ارتباك في الموقف الدبلوماسي
ويعكس هذا الخطاب الحذر، وفق مراقبين، مأزقا حقيقيا يعيشه النظام الجزائري في تحديد موقعه داخل التوازنات الإقليمية. فمن جهة، تحاول الجزائر الحفاظ على صورة الدولة العربية المتضامنة مع محيطها الخليجي، ومن جهة أخرى تبدو حريصة على عدم الاصطدام بإيران التي تربطها بها علاقات سياسية متنامية خلال السنوات الأخيرة.
وقد خلق هذا التوازن الهش انطباعا لدى العديد من المتابعين بأن الجزائر تسعى إلى تبني ما يمكن وصفه بـ”الحياد السلبي”، وهو موقف غالبا ما يفسر في الأزمات الكبرى على أنه غياب للإرادة السياسية في اتخاذ موقف واضح.
تحالفات تثير الجدل
الانتقادات الموجهة للسياسة الخارجية الجزائرية لا تنفصل عن طبيعة التحالفات التي نسجها النظام خلال العقدين الأخيرين. فالجزائر تدرج في كثير من التحليلات ضمن محور سياسي يضم عدداً من الأنظمة التي تتقاسم خطابا سياسيا معاديا للمنظومة الدولية التقليدية، ويشمل دولا مثل إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية وسوريا.
ويرى منتقدو هذا التوجه أن الجزائر اختارت الاصطفاف مع أنظمة تعيش بدورها عزلة دولية أو عقوبات اقتصادية، وهو ما أدى إلى إضعاف قدرتها على الاندماج في ديناميات التعاون الاقتصادي الإقليمي والدولي رغم ما تمتلكه من موارد طاقية ضخمة.
مفارقة الخطاب والممارسة
اللافت في المشهد أن الخطاب الرسمي الجزائري كثيرا ما يؤكد على أن أمن دول الخليج جزء من أمن الجزائر، وأن الاستقرار في المنطقة العربية يمثل أولوية استراتيجية. غير أن الأحداث الأخيرة كشفت فجوة واضحة بين هذه التصريحات وبين المواقف الفعلية التي صدرت عن الدبلوماسية الجزائرية.
فبينما كانت الصواريخ والطائرات المسيرة تستهدف منشآت مدنية واقتصادية في بعض دول الخليج، لم تصدر عن الجزائر مواقف حازمة تسمي الجهة المسؤولة عن هذه العمليات، واكتفت الخارجية ببيانات دبلوماسية عامة تدعو إلى “التهدئة وضبط النفس”.
هذا التردد الدبلوماسي اعتبره مراقبون مؤشرا على وجود قيود سياسية داخلية وخارجية تحد من قدرة الجزائر على تبني مواقف صريحة، خاصة في ظل العلاقات التي تجمعها بطهران.
الجزائر بين العزلة وخيارات المستقبل
ومن زاوية تحليلية أوسع، تبدو السياسة الخارجية الجزائرية اليوم أسيرة رؤية تقليدية تشكلت داخل المؤسسة العسكرية الحاكمة منذ عقود، وهي رؤية تقوم على منطق الصراع الجيوسياسي أكثر من منطق التعاون الاقتصادي الإقليمي.
هذا الاختيار جعل الجزائر تبدو في كثير من الملفات الإقليمية لاعبا معرقلا بدل أن تكون قوة استقرار في شمال إفريقيا ومنطقة المتوسط. فبدلا من توظيف مواردها الطبيعية الضخمة لبناء شراكات اقتصادية وتنموية واسعة، فضلت الجزائر الانخراط في صراعات إقليمية وتمويل مشاريع سياسية انفصالية، وهو ما أدى إلى استنزاف جزء كبير من قدراتها المالية دون تحقيق مكاسب استراتيجية حقيقية.
وفي المقابل، اختارت مناطق أخرى من العالم مسارا مختلفا تماما. فبعد الحرب العالمية الثانية، أدركت الدول الأوروبية أن الصراع الدائم لن يؤدي إلا إلى الخراب، فانتقلت إلى نموذج التعاون الاقتصادي والتكامل السياسي الذي توج بإنشاء الاتحاد الأوروبي، وهو مشروع جعل القارة أحد أبرز أقطاب الاقتصاد العالمي.
أما في الحالة الجزائرية، فإن استمرار الارتهان لتحالفات أيديولوجية مع أنظمة تعيش بدورها أزمات سياسية واقتصادية قد يدفع البلاد إلى مزيد من العزلة، خصوصا إذا استمرت في تبني خطاب مزدوج تجاه القضايا الإقليمية الحساسة.
نحو مرحلة برود مع الخليج
وفي ضوء هذه المعطيات، يتوقع عدد من المتابعين أن تشهد العلاقات بين الجزائر وعدد من دول الخليج مرحلة من الفتور السياسي وإعادة التقييم، خاصة أن هذه الدول باتت أكثر حساسية تجاه ما تعتبره “ازدواجية في المواقف” أو “حيادا سلبيا” في قضايا تمس أمنها المباشر.
وفي عالم يتجه نحو اصطفافات سياسية واقتصادية واضحة، يبدو أن الدبلوماسية القائمة على الغموض والمناورة لم تعد تحقق النتائج نفسها التي كانت تحققها في السابق. ولهذا قد تجد الجزائر نفسها أمام خيار استراتيجي صعب، إما إعادة تموضعها داخل الفضاء العربي والدولي، أو الاستمرار في طريق التحالفات المثيرة للجدل التي قد تزيد من عزلتها السياسية في السنوات المقبلة.

