في ظل التصعيد العسكري المتواصل في الشرق الأوسط، وما يرافقه من اضطرابات في أسواق الطاقة والمواد الأولية، تتزايد المخاوف من انعكاسات محتملة على الأسعار في عدد من القطاعات الاقتصادية عبر العالم، بما في ذلك السوق المغربية. ويأتي قطاع المواد الغذائية، وفي مقدمتها اللحوم الحمراء، ضمن المجالات التي يتابعها المستهلكون عن كثب في انتظار ما إذا كانت التطورات الجيوسياسية ستؤدي إلى موجة جديدة من الغلاء.
ومع بداية ظهور مؤشرات ارتفاع طفيف في الأسعار داخل الأسواق الوطنية خلال الأيام الأخيرة، بدأ النقاش يتسع حول ما إذا كانت هذه الزيادات مرتبطة بالسياق الدولي المضطرب أم أنها ناتجة عن عوامل داخلية مرتبطة بالعرض والطلب.
زيادات جديدة في أسعار اللحوم
وتشير المعطيات المتداولة داخل الأوساط المهنية إلى تسجيل ارتفاع ملحوظ في أسعار لحوم الأغنام، حيث بلغ سعر الكيلوغرام في المجازر الكبرى نحو 120 درهما، بزيادة تقارب عشرة دراهم مقارنة بالفترة السابقة.
كما شهدت لحوم الأبقار المحلية بدورها ارتفاعا في الأسعار، إذ وصل سعر الكيلوغرام إلى حوالي 95 درهما بعد زيادة قدرت بنحو خمسة دراهم. أما اللحوم المستوردة، خصوصا القادمة من البرازيل، فقد عرفت بدورها زيادة طفيفة بلغت درهمين في الكيلوغرام، ليستقر السعر في حدود 78 درهماً.
هذه الزيادات أثارت تساؤلات واسعة لدى المستهلكين حول احتمال تأثر السوق المحلية بالتوترات الدولية، خاصة مع الارتفاعات التي تعرفها أسعار النفط والشحن في الأسواق العالمية.
الطلب الموسمي وراء ارتفاع الأسعار
غير أن المعطيات المهنية المتوفرة تشير إلى أن الزيادات المسجلة حاليا لا ترتبط بشكل مباشر بالأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بل تعود أساسا إلى عوامل موسمية مرتبطة بارتفاع الطلب خلال هذه الفترة من السنة.
فمع اقتراب عيد الفطر وارتفاع الاستهلاك خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، تشهد الأسواق عادة ضغطا إضافيا على الطلب، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الأسعار. كما أن الاستعدادات المبكرة لعيد الأضحى تدفع عددا من المربين إلى الاحتفاظ بالماشية، ما يقلص العرض في الأسواق خلال هذه المرحلة.
واردات مبرمجة مسبقا
وتشير المعطيات المتوفرة داخل القطاع إلى أن واردات اللحوم التي تصل إلى السوق المغربية تخضع عادة لبرمجة مسبقة تمتد لعدة أشهر، حيث يتم الاتفاق على الكميات والأسعار قبل وصول الشحنات بفترة طويلة.
وبناءً على هذا النمط من التعاقدات، فإن أي ارتفاع محتمل في تكاليف النقل أو الطاقة على المستوى الدولي لا ينعكس بشكل فوري على الأسعار المحلية، بل يظهر تأثيره فقط بعد مرور دورة الاستيراد الجديدة التي قد تمتد إلى نحو ثلاثة أشهر.
كما أن جزءا كبيرا من واردات اللحوم التي يعتمد عليها المغرب يأتي من دول تقع خارج دائرة التوترات الحالية، خصوصاً من أمريكا الجنوبية عبر المحيط الأطلسي، وهو مسار لم يتأثر بشكل مباشر بالأحداث الجارية في الشرق الأوسط.
ترقب اقتصادي لارتدادات الحرب
رغم ذلك، يظل الفاعلون الاقتصاديون في حالة ترقب لما قد تحمله الأسابيع المقبلة من تطورات في الأسواق العالمية، خصوصا إذا استمرت الحرب في التأثير على أسعار النفط والشحن البحري.
فالاقتصاد العالمي أصبح أكثر حساسية للصدمات الجيوسياسية، وأي ارتفاع كبير في أسعار الطاقة قد ينعكس تدريجيا على تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما قد يترجم لاحقا في شكل زيادات في أسعار عدد من السلع، بما فيها المنتجات الغذائية.
وفي انتظار اتضاح مسار الأحداث الدولية، تشير المؤشرات الحالية إلى أن السوق الوطنية قد تعرف استقرارا نسبيا في أسعار اللحوم بعد انتهاء فترة الأعياد، ما لم تشهد الأسواق العالمية تحولات مفاجئة في الأشهر المقبلة.


