Site icon H-NEWS آش نيوز

ميناء الحمدانية.. مشروع عملاق يفضح ارتباك الجزائر

ميناء الحمدانية

تحول مشروع ميناء الحمدانية بالجزائر، الذي قدم منذ سنوات كأحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في البحر الأبيض المتوسط، إلى مثال صارخ على تعثر المشاريع الكبرى في ظل غياب رؤية اقتصادية واضحة واستقرار في القرارات السياسية. فبعد أكثر من عقد على الإعلان عنه، لا يزال المشروع حبيس المخططات والتصاميم الرقمية، في وقت كانت السلطات الجزائرية تروج له باعتباره بوابة اقتصادية قادرة على تغيير موقع البلاد في خريطة التجارة الدولية.

وبدأ الحديث عن ميناء الحمدانية سنة 2015، عندما أعلنت الجزائر عن خطة لإنشاء ميناء ضخم بمنطقة شرشال في ولاية تيبازة. وقد جرى الترويج للمشروع على أنه منشأة لوجستية عملاقة ستجعل البلاد مركزاً للتجارة بين أوروبا وإفريقيا.

وتحدثت السلطات آنذاك عن ميناء يضم أكثر من عشرين رصيفا بحريا بطاقة استيعابية تصل إلى ملايين الحاويات سنويا، إضافة إلى قدرته على استقبال أكبر السفن التجارية في العالم. كما قدرت التكلفة الأولية للمشروع بحوالي 3.3 مليارات دولار، مع توقعات بأن يصبح أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في حوض المتوسط.

غير أن هذه الطموحات الكبيرة لم تتحول إلى واقع ملموس، إذ ظل المشروع طوال السنوات اللاحقة مجرد مخططات وتصاميم ثلاثية الأبعاد، بينما لم تظهر على الأرض أي أشغال فعلية تؤكد بدء تنفيذه.

شراكة صينية وتعقيدات التمويل

وفي محاولة لإطلاق المشروع، توجهت الجزائر نحو الشركات الصينية الكبرى ضمن إطار التعاون المرتبط بمبادرة “الحزام والطريق”. وتم توقيع مذكرات تفاهم وإنجاز دراسات تقنية، بينما تحدث المسؤولون عن قرب انطلاق الأشغال وفق جدول زمني كان يفترض أن يقود إلى افتتاح الميناء خلال النصف الأول من العقد التالي.

لكن مع مرور الوقت بدأت التكاليف التقديرية للمشروع ترتفع بشكل ملحوظ، إذ انتقلت من بضعة مليارات إلى أرقام أكبر بكثير، ما أثار تساؤلات حول شروط التمويل وطبيعة الشراكة مع الشركات الأجنبية. كما ظهرت صعوبات مرتبطة بالتمويل وبالتوازنات الاقتصادية التي تحكم مثل هذه المشاريع الضخمة.

الحراك السياسي يجمد المشروع

وشكلت سنة 2019 نقطة تحول كبيرة في الجزائر، بعد اندلاع الحراك الشعبي وسقوط نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وفي خضم هذه التحولات السياسية، تراجع الاهتمام بالمشروع بشكل واضح، ليتوقف عمليا وسط تقارير تحدثت عن صعوبات تقنية في موقع البناء، إضافة إلى تعقيدات مالية وشروط فرضها الشركاء الأجانب.

ومع وصول قيادة سياسية جديدة إلى الحكم عاد الحديث عن المشروع من جديد، حيث صدرت تصريحات تؤكد ضرورة استكماله، غير أن الواقع الميداني ظل غامضا، إذ لم تظهر مؤشرات واضحة على انطلاق الأشغال.

وفي المقابل، انتشرت على الإنترنت مقاطع فيديو وتصاميم ثلاثية الأبعاد تظهر الميناء وكأنه في طور البناء، ما خلق انطباعا لدى الكثيرين بأن المشروع يسير بالفعل، بينما كانت تلك المشاهد في أغلبها مجرد نماذج رقمية دعائية.

ارتباك في القرارات وتغيير في المواقع

التردد في تنفيذ المشروع لم يتوقف عند هذا الحد، فقد طرحت لاحقا أفكار لنقل الميناء إلى مواقع أخرى على الساحل الجزائري، قبل أن يعود الحديث مرة أخرى إلى الموقع الأصلي في شرشال.

هذا التخبط في اتخاذ القرار، إلى جانب التغيير المتكرر في الشركاء المحتملين والظروف الاقتصادية، جعل المشروع يتأرجح بين الإعلان والتجميد دون أن يتحول إلى إنجاز فعلي على الأرض.

وبحلول منتصف العقد الحالي، أصبح واضحاً أن المشروع لم يتقدم بالشكل الذي كان يروج له عند إطلاقه، لتتجه السلطات الجزائرية لاحقا إلى خيار تطوير موانئ قائمة بالفعل مثل عنابة وأرزيو وجيجل، في محاولة لتحسين البنية التحتية البحرية بطريقة أكثر واقعية.

مشروع يكشف أزمة النموذج الاقتصادي

وتكشف قصة ميناء الحمدانية جانبا من الأزمة البنيوية التي يعاني منها النموذج الاقتصادي الجزائري. فرغم الثروات الطاقية الضخمة التي تمتلكها البلاد، ما يزال الاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط والغاز، بينما تعجز المشاريع الكبرى المعلنة عن التحول إلى إنجازات ملموسة.

هذا التعثر يعكس أيضا طبيعة إدارة المشاريع الاستراتيجية في الجزائر، حيث تختلط القرارات الاقتصادية بالحسابات السياسية والصراعات داخل مراكز القرار، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعطيل مشاريع يفترض أن تكون رافعة للتنمية.

وفي المقابل، تظهر تجارب إقليمية أخرى كيف يمكن للمشاريع اللوجستية أن تتحول إلى محركات اقتصادية حقيقية عندما تتوفر لها شروط الاستقرار والوضوح في الرؤية. ويكفي النظر إلى تجارب موانئ كبرى في المنطقة، مثل ميناء طنجة المتوسط في المغرب، لفهم الفارق بين المشاريع التي تتحول إلى واقع اقتصادي مؤثر وتلك التي تبقى مجرد وعود سياسية أو مخططات على الورق.

بين الطموح النظري والإنجاز الحقيقي

وفي النهاية، لم يعد مشروع ميناء الحمدانية مجرد مشروع متعثر، بل أصبح رمزا للفجوة بين الخطاب السياسي والإنجاز الفعلي في الجزائر. فبعد سنوات من الوعود والدعاية، لا يزال المشروع بعيدا عن التحول إلى واقع اقتصادي ملموس، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مشاريع حقيقية قادرة على تنويع الاقتصاد وخلق فرص تنمية مستدامة.

وهكذا تبقى قصة هذا الميناء درسا واضحا حول الفرق بين الطموح النظري والتنفيذ العملي، وبين المشاريع التي تعلن في المؤتمرات والتصريحات، وتلك التي تبنى فعليا على الأرض وتغير ملامح الاقتصاد.

Exit mobile version