كشف تعديل مشروع قانون تجريم الاستعمار في الجزائر عن مفارقة سياسية لافتة، بعدما أفرغ النص من أهم بنوده الموجهة إلى فرنسا، وعلى رأسها مطلب الاعتذار الرسمي والتعويض عن الحقبة الاستعمارية، في خطوة تعكس تراجعا واضحا عن الخطاب السياسي الحاد الذي تبنته السلطات الجزائرية لسنوات في مواجهة باريس.
فالقانون الذي قدم في البداية باعتباره أداة تشريعية لمحاسبة فرنسا على جرائمها خلال الفترة الاستعمارية الممتدة بين 1830 و1962، انتهى في صيغته النهائية إلى نص أقل حدة تجاه باريس، في مقابل تشديد العقوبات على الجزائريين أنفسهم في حال اتهامهم بتمجيد الاستعمار أو تبرير أفعاله.
حذف مطلب الاعتذار من فرنسا
والتعديلات التي صادق عليها مجلس الأمة الجزائري ألغت بشكل كامل المواد التي كانت تطالب فرنسا بالاعتذار الرسمي عن الحقبة الاستعمارية أو تقديم تعويضات عامة للجزائر.
وبدل ذلك، اكتفى النص الجديد بدعوة باريس إلى ما وصف بـ”الاعتراف التاريخي” بالماضي الاستعماري، وهي صيغة دبلوماسية فضفاضة لا تحمل أي التزام سياسي أو قانوني فعلي.
ويعد هذا التغيير تناقضا واضحا مع الصيغة التي سبق أن صادق عليها المجلس الشعبي الوطني نهاية سنة 2025، حين كان مشروع القانون يقدم في سياق أزمة سياسية حادة بين الجزائر وفرنسا.
غير أن النسخة النهائية التي خرجت بها لجنة برلمانية مشتركة كشفت أن القرار لم يكن تشريعيا بقدر ما يعكس توجها سياسيا صادرا عن أعلى مستويات السلطة في الجزائر.
تشديد العقوبات على الجزائريين
والمفارقة الأبرز في النص الجديد أن مشروع القانون الذي كان يفترض أن يستهدف فرنسا تحول عمليا إلى أداة موجهة إلى الداخل الجزائري. فالتعديلات شددت العقوبات على كل من يتهم بتمجيد الاستعمار أو تبرير أفعاله من خلال تصريحات أو كتابات أو صور أو تسجيلات سمعية بصرية. وبموجب القانون الجديد، قد تصل العقوبة إلى خمس سنوات سجناً إضافة إلى غرامات مالية تتراوح بين 100 ألف و500 ألف دينار.
كما ينص النص على تشديد العقوبات لتصل إلى عشر سنوات سجنا وغرامة مالية تبلغ مليون دينار في حال تم الترويج لهذه الأفكار داخل وسائل الإعلام أو الجامعات أو الفضاءات الثقافية أو السياسية.
وبذلك أصبح القانون أقرب إلى أداة لضبط الرواية التاريخية داخل الجزائر ومنع أي قراءة مختلفة لفترة الاستعمار، بدلاً من أن يكون وسيلة قانونية لمحاسبة فرنسا.
تعديل توصيف “الحركى”
ومن بين التعديلات التي أدخلت على النص أيضا تخفيف توصيف الجريمة المرتبطة بالأشخاص الذين تعاونوا مع القوات الاستعمارية الفرنسية. فبعد أن كان المشروع الأصلي يصنف هذه الأفعال ضمن “الخيانة العظمى”، جرى تخفيض التوصيف في النسخة النهائية إلى “الخيانة” فقط.
في المقابل، حافظ النص على المطالبة بتعويض ضحايا التجارب النووية الفرنسية التي أجريت في صحراء الجزائر خلال فترة الاستعمار، وهو الملف الذي ما يزال يثير جدلاً سياسياً وقانونياً بين البلدين.
خطاب المواجهة للاستهلاك الداخلي
ويعكس هذا التحول في مضمون القانون طبيعة التوازنات السياسية التي تحكم الخطاب الرسمي الجزائري في ما يتعلق بملف الذاكرة الاستعمارية.
فعلى مستوى الخطاب السياسي، تستمر السلطة الجزائرية في استخدام قضية الاستعمار الفرنسي كأداة تعبئة داخلية، عبر استحضار الذاكرة التاريخية وتغذية الخطاب الوطني. لكن عندما يتعلق الأمر بقرارات سياسية أو تشريعية حقيقية، يظهر التراجع سريعا ويتم تجنب أي مواجهة مباشرة مع باريس.
هذا التناقض يعكس أن ملف الاستعمار أصبح في كثير من الأحيان ورقة سياسية للاستهلاك الداخلي أكثر منه مشروعا فعليا لمحاسبة فرنسا أو إعادة فتح ملفات الماضي الاستعماري على المستوى الدولي.
خلفية الأزمة الدبلوماسية مع باريس
التراجع الجزائري عن بنود الاعتذار والتعويض يأتي أيضا في سياق توتر دبلوماسي متراكم بين الجزائر وفرنسا خلال السنوات الأخيرة. فالعلاقات بين البلدين شهدت أزمات سياسية وقضائية متعددة، من بينها قضية اعتقال الكاتب الجزائري بوعلام صنصال، إضافة إلى ملفات مرتبطة بمحاولات استهداف معارضين جزائريين مقيمين في فرنسا.
كما تعمقت الأزمة بشكل أكبر بعد إعلان فرنسا دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، وهو الموقف الذي عبر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في رسالة رسمية بعث بها إلى الملك محمد السادس سنة 2024.
بين الشعارات والواقع
وفي النهاية، يظهر مشروع قانون تجريم الاستعمار في صيغته الجديدة كعنوان لفجوة واضحة بين الخطاب السياسي الذي ترفعه السلطة الجزائرية والواقع الفعلي لسياساتها. فالقانون الذي كان يقدم كأداة مواجهة مع فرنسا انتهى إلى نص يراقب المجتمع الجزائري نفسه ويقيد النقاش حول تاريخه.
وهكذا تحول مشروع كان يفترض أن يكون ورقة ضغط دبلوماسية إلى مثال جديد على التناقض بين الشعارات السياسية والقرارات الفعلية داخل النظام الجزائري.

