Site icon H-NEWS آش نيوز

الجزائر تختلق “حرب مخدرات” مع المغرب لتصدير أزمتها

تبون الجزائر

لم يعد استحضار المغرب في الخطاب الإعلامي الجزائري مجرد تغطية إخبارية عابرة، بل تحول في الأشهر الأخيرة إلى ما يشبه حملة ممنهجة تتكرر فيها نفس المضامين ونفس الاتهامات، مع اختلاف محدود في الصياغة والمنابر. وآخر حلقات هذا المسار ما نشرته وكالة الأنباء الجزائرية من مواد تربط المغرب بملف المخدرات وتقدمه كتهديد مباشر لأمن الجزائر والمنطقة، في إطار خطاب تصعيدي يزداد حدة كلما اشتدت الضغوط على السلطة في الجارة الشرقية.

إعلام موحد وسردية واحدة

واللافت في هذا المسار ليس فقط مضمون الاتهامات، بل طبيعة التنسيق الواضح بين وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، التي تتحرك وفق سردية موحدة، المغرب عدو دائم، والحدود الغربية مصدر كل التهديدات، وأي اختلال داخلي يمكن ربطه بخطر خارجي جاهز. بهذا المعنى، لا يبدو ملف المخدرات سوى أداة جديدة ضمن ترسانة الحرب الإعلامية الجزائرية المفتوحة ضد الرباط.

الهروب إلى الخارج لتدبير أزمة الداخل

هذه الحملة لا تنفصل عن السياق السياسي الذي تعيشه الجزائر، حيث تواجه السلطة ضغوطا داخلية متزايدة، على وقع اختلالات اقتصادية واجتماعية، وتراجع القدرة على إقناع الرأي العام بخطاب الإنجاز والاستقرار. وعندما تضيق هوامش الإقناع الداخلي، يصبح الهروب إلى الخارج آلية جاهزة لإعادة تعبئة الشارع، عبر تضخيم الخصومة مع المغرب وصناعة حالة استنفار وطني مصطنعة.

كما أن تصعيد هذا الخطاب يتزامن مع تحولات إقليمية ودولية لم تكن في صالح الجزائر، خاصة في ملف الصحراء المغربية، حيث راكم المغرب دعما متزايدا لمبادرة الحكم الذاتي، فيما تراجعت قدرة الجزائر على فرض سرديتها داخل عدد من العواصم المؤثرة. ومن هنا، تبدو الحرب الإعلامية ضد المغرب بمثابة تعويض سياسي عن خسائر دبلوماسية متراكمة، أكثر من كونها تعبيرا عن وقائع أمنية مثبتة.

الأخطر في هذا النهج أن الإعلام الجزائري لم يعد يكتفي بوظيفة التوجيه الداخلي، بل تحول إلى أداة تعبئة عدائية دائمة، تعمل على ترسيخ صورة مشوهة عن المغرب في الوعي العام، وتغذي خطابا يقوم على الشبهة والتحريض بدل الوقائع والمعطيات الدقيقة. وهذا ما يجعل الملف أخطر من مجرد سجال إعلامي، لأنه يعكس توظيفا سياسيا مباشرا للإعلام في صناعة خصومة إقليمية مفتعلة.

نظام يبحث عن عدو دائم

وما يجري اليوم في الجزائر هو نموذج واضح لاستعمال الإعلام العمومي كامتداد مباشر للسلطة، لا كفضاء للنقاش أو الإخبار. فكلما عجز النظام عن تقديم أجوبة مقنعة حول أزماته الداخلية، لجأ إلى استدعاء المغرب كخصم دائم، وإلى إعادة تدوير ملفات جاهزة من قبيل المخدرات والحدود والمؤامرات ليصبح الأمر “هوس” اسمه المغرب.

هذه الاستراتيجية قد تنجح مرحليا في شد العصب الداخلي، لكنها تكشف في العمق أزمة نظام لا يملك سوى الهروب إلى الأمام. فالدول الواثقة من توازنها الداخلي لا تحتاج إلى هذا الحجم من التعبئة العدائية المستمرة ضد جارها، ولا تجعل من الإعلام أداة يومية لإنتاج العدو.

والواقع أن الجزائر، بدل أن تفتح نقاشا جديا حول تعثرها الاقتصادي وتراجع وزنها الدبلوماسي، اختارت الاستثمار في حرب إعلامية منخفضة الكلفة لكنها مرتفعة التوتر، ما يؤكد أن المشكلة لم تعد فقط في مضمون الاتهامات، بل في طبيعة النظام الذي يحتاج دائما إلى خصم خارجي لتبرير اختلالاته.

Exit mobile version