Site icon H-NEWS آش نيوز

عندما تتحول الزاوية إلى ماركة مسجلة

صفاء جن زد 212

الطريقة القادرية البودشيشية ليست مجرد اسم يمكن وضعه على واجهة مؤسسة أو نشاط ثقافي. إنها امتداد تاريخي وروحي عميق، تشكل عبر قرون داخل النسيج الديني المغربي، حيث لعبت الزوايا دورا مركزيا في التربية، والتزكية، وربط الناس بالقيم الروحية الجامعة.

في الزوايا الصوفية، لا تبنى العلاقة على الملكية بل على السند. سلسلة روحية متصلة، تنتقل من شيخ إلى مريد، قائمة على الثقة والتربية والانتماء. الاسم هنا ليس علامة تجارية، بل هوية حية تختزن تاريخا من السلوك الروحي والتربية الأخلاقية. من هذا المنظور، يبدو تحويل هذا الاسم إلى علامة تجارية خطوة تطرح إشكالا جوهريا: هل يمكن اختزال تقليد روحي جماعي إلى إطار قانوني تجاري قابل للاحتكار؟

بين القانون والرمزية

من الناحية القانونية البحتة، يتيح نظام الملكية الصناعية في أوروبا تسجيل الأسماء ضمن فئات محددة، كما حدث هنا في مجالات النشر والإعلام والأنشطة الثقافية. هذا الإطار لا يميز بالضرورة بين اسم شركة ناشئة واسم طريقة صوفية عريقة، ما دام الطلب يستوفي الشروط الشكلية. لكن الإشكال لا يكمن فقط في “قانونية” الخطوة، بل في دلالتها الرمزية والسياسية. فالاسم المسجل لا يمثل مشروعا تجاريا حديثا، بل يرتبط بمرجعية دينية وروحية ذات امتداد وطني واضح في المغرب، حيث تعد الزوايا جزءا من منظومة الأمن الروحي التي تشرف عليها مؤسسة إمارة المؤمنين. وهنا يظهر التوتر: بين منطق قانوني فردي يسمح بالتسجيل، ومنطق جماعي يعتبر الاسم ملكا معنويا مشتركا لا يقبل التفويت أو الاحتكار.

الزاوية “تراث روحي”: أكثر من تنظيم، أقل من مؤسسة رسمية لفهم عمق الإشكال، لا بد من العودة إلى طبيعة الزوايا نفسها. الزاوية ليست شركة، وليست حزبا، ولا حتى جمعية بالمعنى الإداري الحديث. إنها فضاء يجمع بين التربية الروحية والخدمة الاجتماعية، الارتباط بالمجتمع المحلي والانتماء إلى مرجعية دينية وطنية. هذا “الطابع الهجين” هو ما يجعل إخضاعها لمنطق الملكية التجارية أمرا معقدا. لأن ما يسجّل هنا ليس منتجا أو خدمة فقط، بل اسم محمل بشرعية روحية وتاريخية.

الملكية الفكرية والتراث الروحي

بعيدا عن لغة التخوين أو التهويل، دعونا نطرح مجموعة من الأسئلة العميقة. هل يملك أي فرد أو جهة حق تسجيل اسم طريقة صوفية كعلامة تجارية خارج بلدها الأصلي؟ كيف يمكن التوفيق بين قوانين الملكية الفكرية الحديثة والتراث الروحي غير المادي؟ وما هي الحدود بين حماية الاسم من الاستغلال، وبين احتكاره بشكل قد يقيد استخدامه من قبل الآخرين؟ هذه الأسئلة لا تخص هذه الحالة فقط، بل تمتد إلى كل أشكال التراث اللامادي في عصر العولمة القانونية.

من المفارقات أن تسجيل الأسماء قد يكون أحيانا بدافع “الحماية” من الاستغلال أو التشويه، لكنه قد ينقلب إلى أداة احتكار إذا لم يحط بضوابط واضحة أو شرعية جماعية.

الاعتراف الجماعي والشرعية الروحية

في السياق الصوفي تحديدا، الحماية الحقيقية لا تأتي فقط من الوثائق القانونية، بل من: الاعتراف الجماعي والشرعية الروحية، والارتباط بالمصدر الأصلي للطريقة، وهي عناصر لا يمكن لأي تسجيل إداري أن يمنحها أو يسحبها.

في النهاية، قد تنجح القوانين في تسجيل اسم، ومنح حق استعماله في سياقات معينة، لكنها تبقى عاجزة عن تسجيل ما هو أعمق: لا يمكن تسجيل البركة ولا احتكار السند الروحي ولا امتلاك الانتماء القلبي. تبقى الزوايا، في جوهرها، فضاءات تتجاوز المنطق التجاري، حتى وإن حاولت القوانين الحديثة احتواءها ضمن تصنيفاتها.

وبين عالمين، عالم الروح وعالم القانون، تستمر مثل هذه القضايا في طرح سؤال بسيط، لكنه عميق: هل كل ما يمكن تسجيله… ينبغي تسجيله؟

بقلم: صفاء بولجداد (باحثة في السوسيولوجيا)

Exit mobile version