تشير معطيات تاريخية موثقة إلى أن أواخر سبعينيات القرن الماضي شكلت نقطة تحول مفصلية في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، حيث برز تقاطع واضح بين توجهات القيادة الجزائرية بقيادة هواري بومدين، الساعية إلى بناء نفوذ إقليمي، ومشروع الخميني الذي كان يعمل على تصدير الثورة الإيرانية خارج حدود بلاده.
في هذا السياق، برزت الجزائر كفاعل مركزي في احتضان وتوجيه عدد من الحركات ذات الطابع “التحرري” أو الانفصالي، من بينها جبهة البوليساريو، ضمن رؤية إقليمية قائمة على موازنة النفوذ المغربي والغربي، وهو ما أسس مبكرا لروابط سياسية بين طهران والجبهة.
نوفل لوشاتو.. مركز صناعة التفاهمات
وخلال فترة إقامة الخميني في منفاه بضاحية نوفل لوشاتو الفرنسية بين أكتوبر 1978 وفبراير 1979، اضطلعت أجهزة الاستخبارات الجزائرية، خاصة جهاز “الأمن العسكري”، بدور بارز في تأمين الحماية وتسهيل الاتصالات السياسية.
وتشير معطيات متقاطعة إلى أن شخصيات جزائرية نافذة، من بينها قاصدي مرباح ونور الدين زرهوني، أشرفت على هذا التنسيق، إلى جانب مساهمة مسعود زقار في توفير الدعم اللوجستي والتقني، خصوصا ما يتعلق بأنظمة الاتصال الحديثة التي ساعدت في نقل رسائل الخميني إلى طهران بسرعة قياسية آنذاك.
وفي هذه المرحلة، تم ترتيب لقاءات غير معلنة جمعت مقربين من الخميني، مثل إبراهيم يزدي وصادق قطب زاده، مع ممثلين عن حركات تصنف ضمن “حركات التحرر”، من بينها وفود من جبهة البوليساريو، في سياق سياسي كان يبحث عن بناء تحالفات عابرة للحدود.
زيارة طهران.. انتقال إلى التنسيق المباشر
وعقب نجاح الثورة الإيرانية في فبراير 1979، انتقل هذا التقارب إلى مستوى أكثر وضوحا، حيث استقبلت طهران، بعد أيام قليلة من سقوط نظام الشاه، وفدا من جبهة البوليساريو، برعاية جزائرية.
وضم الوفد شخصيات قيادية بارزة، من بينها بشير مصطفى السيد، محمد خداد، إبراهيم غالي، وعمر منصور، حيث جرت مناقشات شملت الجوانب السياسية والأمنية، بما في ذلك آفاق التعاون العسكري.
وفي 22 فبراير 1979، رد وزير الخارجية الإيراني كريم سنجابي على رسالة تهنئة من البوليساريو بخطاب يتبنى مفردات “مناهضة الرجعية”، وهو ما اعتُبر مؤشراً على وجود قنوات اتصال سابقة، قبل أن تعلن إيران في 27 فبراير 1980 اعترافها الرسمي بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، ما أدى إلى قطع العلاقات مع المغرب في عهد الملك الحسن الثاني.
شهادات من داخل دوائر القرار الإيراني
وتعززت هذه الوقائع بما ورد في مذكرات شخصيات إيرانية بارزة، مثل إبراهيم يزدي وأبو الحسن بني صدر، التي تحدثت عن دور جزائري مباشر في تأمين الاتصالات السياسية خلال فترة المنفى، وتسهيل لقاءات مع ممثلي “البوليساري” في باريس.
وتشير هذه الشهادات إلى أن الطرح الذي قدم آنذاك داخل الدائرة المقربة من الخميني كان يقوم على وجود “عدو مشترك”، مع التركيز على دعم حركات معارضة للأنظمة الملكية، ضمن تصور استراتيجي أوسع لتوسيع النفوذ السياسي للثورة الإيرانية.
كما أظهرت بعض الإفادات أن الدعم الجزائري لم يكن مقتصرا على الوساطة، بل شمل توجيها سياسيا ساهم في بلورة مواقف لاحقة، من بينها قرار الاعتراف الرسمي ب”البوليساريو”.
من التنسيق السياسي إلى التعاون العسكري
وخلال ثمانينيات القرن الماضي، تطورت هذه العلاقات لتشمل أبعادا عسكرية، حيث تم نقل أسلحة إلى مخيمات تندوف عبر قنوات جزائرية، شملت راجمات صواريخ وأنظمة مضادة للدروع والدفاع الجوي، إضافة إلى برامج تدريب أشرفت عليها عناصر من الحرس الثوري الإيراني.
وفي السنوات الأخيرة، عادت هذه القضية إلى الواجهة، مع اتهامات مغربية لطهران، عبر أطراف مرتبطة ب”حزب الله”، بتقديم دعم تقني متقدم ل”البوليساريو”، يشمل الطائرات المسيرة وتقنيات الحرب الإلكترونية، وهي اتهامات تنفيها الأطراف المعنية.
مسار استراتيجي يتجاوز الظرفية
وتعكس هذه المعطيات أن التقارب بين الجزائر وإيران وجبهة “البوليساريو”، لم يكن نتيجة تطورات ظرفية، بل يندرج ضمن مسار إستراتيجي طويل بدأ في سياق الثورة الإيرانية، وتطور عبر مراحل متعددة من التنسيق السياسي إلى التعاون العسكري.
كما يظهر أن الجزائر لعبت دورا محوريا في هذا المسار، ليس فقط كوسيط، بل كفاعل أساسي في توجيه بعض ملامح هذا التقارب، في إطار توازنات إقليمية كانت تسعى إلى إعادة رسم موازين القوى في شمال إفريقيا.
جذور تاريخية للتوتر الدبلوماسي المغربي الإيراني
في المقابل، يعكس استمرار التوتر الدبلوماسي بين المغرب وإيران، على خلفية هذه الملفات، امتدادا لهذا المسار التاريخي، في ظل سياق إقليمي يتسم بتداخل المصالح وتصاعد أشكال الصراع غير المباشر.
وتكشف هذه الوقائع أن ما يجري اليوم من توترات إقليمية مرتبط بجذور تاريخية تعود إلى أواخر السبعينيات، حيث تشكلت ملامح تقارب بين الجزائر وإيران وجبهة “البوليساريو” في سياق سياسي واستخباراتي معقد، قبل أن يتطور إلى علاقات متعددة الأبعاد ما تزال تلقي بظلالها على توازنات المنطقة حتى اليوم.


