حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

تشير معطيات حديثة إلى أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة في تدبير سياستها الاقتصادية، بعدما بدأت تتخلى تدريجيا عن موقفها الصارم الرافض للاستدانة الخارجية، وهو الخيار الذي لطالما قدم كرمز للسيادة والاستقلال المالي.

وبرز هذا التحول من خلال مشروع يهم تطوير مدينة المنيعة كقطب فلاحي، اعتمادا على مواردها المائية، غير أن إنجاح هذا التوجه يتطلب ربطها بشبكة نقل حديثة، عبر خط سككي يمتد من شمال البلاد إلى تمنراست. غير أن كلفة هذا المشروع الضخم أظهرت محدودية التمويل الذاتي، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الراهنة، ما دفع إلى البحث عن حلول بديلة، حسب ما أورده تقرير فرنسي.

تمويل خارجي غير مسبوق

وفي هذا الإطار، تتجه الجزائر إلى تعبئة قرض يفوق 3 مليارات دولار من البنك الإفريقي للتنمية، وهو ما يعد سابقة في سياق السياسة الاقتصادية الحديثة للبلاد، التي كانت ترفض هذا الخيار بشكل قاطع.

ويعود هذا التحفظ إلى تجربة التسعينيات، عندما اضطرت الجزائر سنة 1994 إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، في سياق أزمة مالية حادة، ما أدى إلى تطبيق إصلاحات مؤلمة تركت أثرا عميقا في الوعي الاقتصادي والسياسي. ومنذ ذلك الحين، تبنت الدولة نهج تقليص المديونية، معتمدة على عائدات النفط لبناء احتياطات مالية وتفادي العودة إلى الاقتراض.

تبعية النفط تعيد تشكيل الخيارات

غير أن استمرار الاعتماد على المحروقات، التي تمثل نحو 90% من الصادرات، جعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسواق الدولية، وهو ما صعب تمويل المشاريع الكبرى داخليا، خاصة مع تراجع المداخيل النفطية نسبيا.

ويعكس التحول الحالي تراجعا عمليا لخطاب السيادة الاقتصادية، حيث يظهر أن رفض الديون لم يعد خيارا قابلا للاستمرار في ظل التحديات الراهنة.

ورغم تأكيد عبد المجيد تبون سابقا على رفض الاستدانة الخارجية، فإن الواقع الاقتصادي فرض توجها أكثر براغماتية، يكشف حدود النموذج القائم على الريع.

نقاش مفتوح حول مستقبل النموذج

ويفتح هذا المستجد الباب أمام نقاش داخلي أوسع حول مستقبل الاقتصاد الجزائري، ومدى الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل، بدل الاعتماد على النفط.

وبين متطلبات الواقع وخطاب السيادة، تبدو الجزائر أمام مفترق طرق اقتصادي، قد يعيد رسم ملامح سياستها المالية في السنوات المقبلة.