حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

يقتصر النقاش في رمضان على ملء البطون ب”أرخص الأسعار” والخسائر الصحية، فالزيادة في أثمنة المواد الغذائية يوازيه إقبال كبير على أدوية الجهاز الهضمي، خاصة “القبض” وحرقة المعدة.

عزيز، الخباز في حي الألفة بالدار البيضاء هو استثناء عن هذه القاعدة، رغم إيمانه بمقولة “لا يخرج عن الجماعة إلا الشيطان”، إذ يدرك أن إبليس الملعون “مكبل” بسلاسل رمضان، ويخضع للإقامة الجبرية، رغم إغواء “المرمضنين”.

يشتغل عزيز في مخبزة متواضعة، مثل باقي المحلات التي نبتت بالأحياء، وتستعمل قنينات الغاز لإعداد “الخبز” رخيص (بدرهم فقط)، يقدمه للزبون مع ابتسامة جميلة تترك انطباعا بأن “عزيز” ليس مثل باقي الخبازين.

نحيف، مثل شباب اليسار في السبعينات، فقد بعض أسنانه، فتركت فراغا تنسل منه كلمات بسلاسة دون قيود الرقابة، ويرتدي سروالا فضفاضا يشبه المنطاد، يساعده في “الطيران” بين الطاولة الزجاجية والفران الملتهب. يسكت أو يتكلم أو يحدق، حسب المزاج والأهواء، لكن لن تجده غاضبا أبدا، رغم شغب أطفال ساحة الفردوس بحي الألفة وكرتهم التي تهشم واجهة المحل.

مرة، وُضع جهاز التلفزيون في المحل، من اشتراه؟ لا أحد يعلم، لكن الأهم أن عزيز هو مالك “التلكموند”، ويتحكم فيه، ولن يستطيع صديقه الخباز المساعد أن ينافسه في ذلك.

وضع الجهاز في أعلى مكان بالجدار، حتى يتمكن عزيز من التحكم فيه بسهولة، وأيضا حتى لا يمنعه من العمل والاستمتاع بالمشاهدة.

لم يعد عزيز يهتم بالخبر، أكثر من اهتمامه بشاشة التلفزيون، حتى أنه وضع “ويفي” مكنه من عرض فيديوهات “يوتوب” المحببة لديه، فأصبح مدمنا على البرامج السياسية والفكرية.

ضبط عزيز، أكثر من مرة، وهو يشاهد في “تلفزيون المحل” ندوة لليساري محمد الساسي، أو يتابع نقاش ندوة يعدها أبو بكر الجامعي، كما ينسى الخبز والزبناء وملء البطون، لمشاهدة الطبيب الطيب الحمضي.

كشف الخباز عن “معدنه”، كما قال صاحب محل لبيع المواد الغذائية يجاوره، فمن يعتقد أن مثقفا مثل عزيز له اطلاع واسع على القضايا السياسية…؟

مرة لاحظ زبون، يشتغل في التدريس، أن عزيز يتابع باهتمام حلقات الباحث المصري أحمد زايد.

استغرب المدرس، فالباحث لا يعرفه إلا قلة من المتخصصين في إصلاح الحقل الديني، وحين سأل الخباز عن ذلك، شبع المدرس من كمية المعلومات التي أمطره بها عزيز عن الباحث المصري.

منذ ذلك اليوم، أصبح الخباز والمدرس صديقان يتجادلان في السياسة والاقتصاد والثقافة والحقل الديني وقضايا التنوير، ولا يأبهان ب”الخبز” أو ارتفاع الأسعار.. فملء العقول أولى من البطون!