شهد ملف الصحراء تطورا جديدا يعيد خلط الأوراق داخل الأروقة الدولية، بعدما قدمت جبهة “البوليساريو” الانفصالية خدمة مجانية للدوائر السياسية الأمريكية الداعمة لمشروع تصنيفها منظمة إرهابية، من خلال تنظيم عرض عسكري مثير للجدل كشف بشكل صريح عن عمق تورط الجزائر في هذا النزاع، ليس فقط سياسيا بل ميدانيا أيضا.
ففي 8 أبريل الجاري، نظمت الجبهة استعراضا عسكريا ضخما حضره زعيمها إبراهيم غالي، بمناسبة ما تسميه الذكرى الخمسين لإعلان “الجمهورية الصحراوية”، غير أن المفارقة الصادمة تمثلت في اعترافها الضمني بأن هذا النشاط جرى داخل التراب الجزائري، وتحديدا في مخيم أوسرد الواقع بولاية تندوف، وهو ما ينسف الرواية الجزائرية التي طالما حاولت تقديم نفسها كطرف “غير معني مباشرة” بالنزاع.
فضيحة جغرافية تفضح الجزائر
ورغم محاولات التغطية الإعلامية المرتبكة من طرف أبواق الانفصال وبعض النشطاء الجزائريين، الذين سعوا إلى تسويق فكرة أن الاستعراض جرى داخل “الأراضي المحررة”، إلا أن الوقائع الميدانية والمواد المصورة الصادرة عن وسائل الجبهة نفسها، بما فيها ما يسمى “وكالة الأنباء الصحراوية”، أكدت أن الحدث وقع داخل مخيم أوسرد، أي فوق التراب الجزائري الخاضع لسيادة واضحة.
هذا التناقض يعكس حالة التخبط التي تعيشها الجزائر في إدارة هذا الملف، حيث تجد نفسها في كل مرة مضطرة إلى تبرير ما لا يمكن تبريره، في ظل انكشاف دورها كحاضن وممول وداعم لميليشيا مسلحة تنشط فوق أراضيها.
واقع ميداني جديد بعد الكركرات
محاولات “البوليساريو” استعراض قوتها العسكرية تصطدم، في العمق، بتحولات ميدانية حاسمة فرضها المغرب منذ أواخر سنة 2020، عقب العملية النوعية التي نفذتها القوات المسلحة الملكية في معبر الكركرات، والتي أنهت فعليا قدرة الجبهة على التحرك داخل المنطقة العازلة.
فمنذ ذلك التاريخ، عزز المغرب حضوره الأمني عبر توسيع الجدار الدفاعي شرقا نحو الحدود الجزائرية وجنوبا باتجاه موريتانيا، مع اعتماد متزايد على الطائرات المسيرة التي مكنت من تحييد عدد من القيادات الميدانية للجبهة داخل مناطق يفترض أنها منزوعة السلاح وتخضع لمراقبة بعثة “المينورسو” بموجب اتفاق وقف إطلاق النار لسنة 1991.
هذا الواقع يجعل أي حديث عن “مناطق محررة” مجرد دعاية سياسية فاقدة للشرعية، ويؤكد أن الجبهة لم تعد قادرة على التحرك إلا تحت حماية مباشرة من الجيش الجزائري وعلى أراضيه.
مناورات عسكرية في توقيت سياسي حساس
الاستعراض العسكري في تندوف لم يكن مجرد حدث رمزي، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع مسار تفاوضي جديد ترعاه الولايات المتحدة والأمم المتحدة، بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا و”البوليساريو”، وذلك في إطار تنزيل قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025.
ويضع هذا القرار بشكل واضح خيار الحل السياسي النهائي على الطاولة، استنادا إلى مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 وعززها بمقترحات تفصيلية سنة 2026، وهو ما يضع الجزائر أمام اختبار حقيقي بين الانخراط الجدي أو الاستمرار في سياسة المناورة وربح الوقت.
غير أن لجوء الجبهة إلى استعراض القوة في هذا التوقيت يكشف، في العمق، محاولة يائسة لعرقلة المسار السياسي وإعادة توجيه النقاش نحو منطق عسكري تجاوزه الواقع.
ورقة ضغط أمريكية تشتد على الجزائر
وفي خضم هذه التطورات، برزت الولايات المتحدة كلاعب حاسم يلوح بورقة تصنيف “البوليساريو” منظمة إرهابية، حيث وضع مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والعالم العربي، هذا الملف بشكل مباشر أمام وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف خلال لقاءات جرت ضمن المسار التفاوضي.
ووفق معطيات متطابقة، فإن واشنطن لم تعد تخفي استعدادها لتسريع المسار التشريعي داخل الكونغرس في أي لحظة، إذا استمرت الجزائر في نهجها الحالي، مقابل عرض حزمة من الحوافز السياسية والاقتصادية والأمنية في حال انخراطها الإيجابي في الحل.
ويعكس هذا التحول قناعة أمريكية متزايدة بأن النزاع لم يعد مجرد قضية تصفية استعمار كما تروج الجزائر، بل أصبح مرتبطا بتهديدات أمنية محتملة، خاصة في ظل شبهات علاقات الجبهة مع شبكات إقليمية معادية.
زخم تشريعي داخل الكونغرس
مشروع تصنيف “البوليساريو” كمنظمة إرهابية لم يعد مجرد مبادرة معزولة، بل تحول إلى توجه متصاعد داخل المؤسسات التشريعية الأمريكية، حيث انتقل النقاش من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ.
ففي مارس الماضي، قدم السيناتورات الجمهوريون Ted Cruz وTom Cotton وRick Scott مشروع قانون يلزم وزارة الخارجية بدراسة الروابط المحتملة بين الجبهة وجهات مرتبطة بإيران، تمهيدا لإدراجها ضمن لوائح الإرهاب في حال ثبوت تعاون عسكري أو لوجستي.
بالموازاة مع ذلك، يواصل مشروع النائب Joe Wilson، الذي أطلق سنة 2025، كسب دعم متزايد داخل مجلس النواب، حيث انضم إليه عدد من النواب، من بينهم Zachary Nunn وClaudia Tenney وElise Stefanik وMaria Salazar، ليصل عدد الموقعين إلى 12 عضوا.
تحليل سياسي: نهاية خطاب “الضحية”
ما كشفت عنه أحداث تندوف يتجاوز مجرد استعراض عسكري، ليؤكد تحولا عميقا في طبيعة هذا النزاع، حيث لم يعد بالإمكان تسويق “البوليساريو” كحركة تحرر، بل كتنظيم مسلح يتحرك خارج الشرعية الدولية وبدعم مباشر من دولة راعية.
الجزائر، التي تحاول الظهور بمظهر الوسيط، تجد نفسها اليوم في موقع المتهم، بعدما باتت أراضيها منصة لأنشطة عسكرية موجهة ضد دولة مجاورة، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع ضغوط دولية متزايدة، خاصة من طرف واشنطن.
أما “البوليساريو”، فإن استمرارها في هذا النهج التصعيدي لن يؤدي سوى إلى تسريع عزلتها الدولية، ويفتح الباب أمام تدقيق أوسع في مصادر تسليحها وطبيعة ارتباطاتها، بما يقود فعليا إلى إدراجها ضمن قوائم الإرهاب، وهو سيناريو لم يعد بعيدا كما كان في السابق.
في المحصلة، يبدو أن رهان الجزائر على إطالة أمد النزاع عبر أدوات بالية بدأ ينقلب ضدها، في وقت يفرض فيه الواقع الميداني والتحولات الدولية مسارا مختلفا عنوانه، حل سياسي واقعي تحت السيادة المغربية.

