تعرف جهة الشرق خلال الفترة الأخيرة تصاعدا مقلقا في حالات الانتحار، في سياق يعكس تعقيدات نفسية واجتماعية متشابكة، حيث تم تسجيل سلسلة من الحوادث المتقاربة زمنيا والموزعة جغرافيا على عدد من الأقاليم، ما يثير تساؤلات متزايدة حول خلفيات هذه الظاهرة وأسباب تناميها.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى تسجيل ثماني حالات انتحار ما بين 26 فبراير و12 أبريل الجاري، وهي وقائع اتسمت بالغموض، مع غياب تفسيرات دقيقة لكل حالة، الأمر الذي يزيد من تعقيد فهم هذا التنامي، ويطرح تحديات حقيقية أمام مختلف المتدخلين.
حادثة وجدة تعيد النقاش للواجهة
وآخر هذه الحالات تم تسجيلها صباح أمس الأحد 12 أبريل 2026 بمدينة وجدة، حيث عثر على شخص في عقده الخامس جثة هامدة داخل شقته بشارع محمد الخامس، وسط معطيات أولية تشير إلى ظروف غامضة، خاصة بعد تسجيل وجود كدمات على جسده.
وقد استنفرت هذه الواقعة المصالح الأمنية التي انتقلت إلى مكان الحادث، حيث تم فتح تحقيق أولي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، مع نقل الجثة إلى مستودع الأموات لإخضاعها للتشريح الطبي قصد تحديد أسباب الوفاة بدقة.
تسلسل زمني لحوادث متقاربة
وتعود أولى الحالات المسجلة إلى 26 فبراير الماضي، حين تم العثور على سيدة في السبعينات من عمرها جثة هامدة داخل منزلها بجماعة سيدي سليمان شراعة بإقليم بركان، بعد إقدامها على إنهاء حياتها شنقا، قبل أن تتبعها، في اليوم الموالي، حادثة العثور على مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء معلقًا بإحدى الأشجار بغابة “شعبة اللوز” بإقليم الناظور.
وفي 28 فبراير، تم تسجيل حالة ثالثة تتعلق برجل متزوج وأب لأربعة أطفال، عثر عليه جثة داخل مرأب منزله بجماعة إحدادن، فيما شهد فاتح مارس تسجيل حالة رابعة بدوار الوليجات بإقليم جرسيف، حيث أقدم شاب يبلغ من العمر 27 سنة على إنهاء حياته داخل منزل أسرته.
حالات متفرقة تعزز فرضية الظاهرة
واستمرت هذه الوقائع خلال شهر مارس، حيث تم يوم 7 مارس العثور على رجل في الأربعينيات من عمره، كان يعمل خياطا ويعيش بمفرده، جثة داخل مسكنه بجماعة قاسيطة بإقليم الدريوش، في حين تم يوم 22 مارس العثور على شخص في عقده الرابع معلقا بحبل في قنطرة “فيلاج الطوبة”، في حادثة خلفت صدمة قوية في صفوف الساكنة.
وتبقى مختلف هذه الحالات موضوع تحقيقات قضائية باشرتها المصالح الأمنية تحت إشراف النيابات العامة المختصة، حيث يتم إخضاع الجثامين للتشريح الطبي، في محاولة لتحديد الأسباب الحقيقية لكل واقعة، وسط غياب معطيات دقيقة في عدد من الحالات.
ويعيد هذا التواتر المقلق تسليط الضوء على ظاهرة الانتحار بجهة الشرق، وما قد يرتبط بها من عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية، خاصة في ظل هشاشة بعض الفئات وضعف الولوج إلى خدمات الدعم النفسي.
ضرورة تدخل عاجل وشامل
كما تثير هذه الوقائع المتتالية تساؤلات بشأن فعالية آليات الوقاية، والحاجة إلى تعزيز برامج التوعية والتحسيس، إلى جانب تطوير خدمات الصحة النفسية، بما يضمن مواكبة الفئات الهشة والحد من تفاقم هذه الظاهرة.
وفي انتظار نتائج التحقيقات، يبقى هذا التصاعد مؤشرا مقلقا يستدعي تعبئة جماعية شاملة، من أجل معالجة الظاهرة في مختلف أبعادها، والعمل على الحد من تكرار مثل هذه الحوادث المؤلمة.


