تشهد تطورات ملف الصحراء المغربية في الفترة الأخيرة تحولا لافتا في مواقف الأطراف المعنية، حيث برز صمت جزائري غير معتاد بالتزامن مع تسارع التحركات الدبلوماسية المغربية، في مشهد يعكس إعادة تشكيل موازين القوى داخل هذا النزاع الذي ظل لعقود أحد أبرز ملفات التوتر الإقليمي.
ويعزى هذا التحول إلى القرار الذي أصدره مجلس الأمن الدولي في 31 أكتوبر 2025، والذي أكد على ضرورة مواصلة المفاوضات على أساس الحكم الذاتي، باعتباره الحل الأكثر واقعية، وهو ما دفع الجزائر إلى تقليص دعمها العلني لأطروحة الانفصال، في خطوة تعكس مراجعة تدريجية لمقاربتها.
واشنطن تضغط ومسار تفاوضي جديد
وتعزز هذا الاتجاه مع إطلاق الولايات المتحدة الأمريكية مفاوضات برعايتها لحل النزاع، في إطار مبادرة الحكم الذاتي المغربي، حيث اضطرت الجزائر إلى المشاركة في هذه العملية تحت ضغط أمريكي، ما يعكس تحولا في طبيعة التفاعل مع هذا الملف.
كما لوحظ تراجع في ردود الفعل الجزائرية تجاه الدعم الدولي المتزايد للمغرب، مقارنة بالسنوات السابقة التي كانت تعرف تحركات دبلوماسية مكثفة وبلاغات رسمية متتالية، وهو ما يؤكد تغيرا في نمط التعاطي.
دعم دولي متنامي للمغرب
في المقابل، واصلت الرباط تعزيز موقعها الدبلوماسي، حيث شهدت استقبال وزير الخارجية الهولندي الذي أعلن دعم بلاده لمبادرة الحكم الذاتي، وهو الموقف الذي اعتبرته صحيفة “واشنطن بوست” انعكاسا لتوجه غالبية دول الاتحاد الأوروبي.
كما سجلت القارة الإفريقية بدورها تحولات مهمة، من خلال إعلان كينيا دعمها للمبادرة المغربية، وقرار مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، وهو ما يعكس تراجعا واضحا في الدعم الإقليمي لأطروحة الانفصال.
خيارات محدودة وضغوط متزايدة
وتشير معطيات متداولة إلى أن الجزائر تواجه ضغوطا متزايدة من واشنطن، دفعتها إلى إعادة النظر في تحركاتها، خاصة بعد مكالمة هاتفية جمعت الرئيس عبد المجيد تبون بمسعد بولس في مارس الماضي، والتي وصفت بأنها كانت صعبة وحملت رسائل مباشرة.
وبحسب هذه المعطيات، فإن الولايات المتحدة الأمريكية وضعت الجزائر أمام خيارين، إما الانخراط في مسار الحكم الذاتي، أو مواجهة تداعيات محتملة، من بينها الدفع نحو تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية.
مرحلة جديدة من التعاطي مع النزاع
وتدل المؤشرات الحالية على أن الجزائر قد تكون دخلت مرحلة جديدة تقوم على تقليص المواجهة المباشرة والانخراط في مسار تفاوضي، في ظل تراجع هامش المناورة، مقابل استمرار المغرب في تحقيق مكاسب دبلوماسية متتالية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن مسار الحل السياسي للنزاع يتجه بشكل متزايد نحو تثبيت مبادرة الحكم الذاتي كإطار رئيسي للتسوية، مع ترقب لما ستسفر عنه المفاوضات في المرحلة المقبلة.

