لم يعد مفهوم الأمن في مغرب اليوم مجرد وظيفة تقليدية تنتهي عند حدود حفظ النظام وتطبيق القانون، بل تحول إلى فلسفة “أمن مواطن” قوامها الشفافية وبناء الثقة والمكاشفة.
هذا التحول الإستراتيجي في عقيدة المديرية العامة للأمن الوطني لم يعد حبيس المكاتب أو البلاغات الرسمية، بل ترجم على أرض الواقع من خلال آليتين تواصلتين غير مسبوقتين تدمجان بين الميدان والدراما التلفزيونية: أيام الأبواب المفتوحة التي تنظمها المديرية من 17 إلى 22 ماي الجاري، والدراما البوليسية الواقعية ممثلة في مسلسل “K1” الذي بثت آخر حلقاته أخيرا على القناة الثانية.
ومن خلال هاتين النافذتين، انفتح المغرب على إبراز الهوية الحقيقية لرجالاته ونسائه في سلك الأمن، مكسرا الصورة النمطية القديمة ومعيدا صياغة العلاقة بين الشرطي والمواطن العادي، لتتحول المؤسسة الأمنية إلى “براند سيادي” وعلامة تجارية قوية وموثوقة تنافس كبريات الأجهزة في الدول المتقدمة.
لقد شكلت مبادرة “أيام الأبواب المفتوحة” التي دأبت المديرية العامة للأمن الوطني على تنظيمها في مختلف جهات المملكة، منعطفا حاسما في تواصل المؤسسة الأمنية مع محيطها المجتمعي. ولم تكن هذه التظاهرات مجرد استعراض للقوة أو الوسائل اللوجستية، بل كانت دعوة مفتوحة للمواطن بشتى فئاته العمرية ليدخل عالم الأمن من بابه الواسع ويسهم في تجسيد مفهوم شرطة القرب.
ومن خلال الأروقة المتخصصة كالشرطة العلمية ومكافحة الجريمة المعلوماتية وفرق خفر المتفجرات، وقف المواطن المغربي على حجم التطور التكنولوجي والكفاءة البشرية التي يزخر بها الجهاز، مما حول شعور التوجس التقليدي إلى شعور بالفخر والأمان المشترك، مفككا بذلك تلك “الهيبة الجافة” التي طالما طبعت العقود الماضية.
وإذا كانت الأبواب المفتوحة تتيح تواصلا مباشرا ومؤقتا، فإن الدراما التلفزيونية تمتلك سحر الاستمرارية والتوغل داخل كل بيت مغربي، وهو ما تجسد بشكل مبهر في مسلسل “K1″، من إخراج أسماء لامعة كنور الدين لخماري وهشام عيوش وياسمين بنكيران، وبطولة رشيد الوالي وفاطمة الزهراء الجوهري وسارة بيرليس.
لقد نجح المسلسل في نقل الهوية الأمنية من البعد المؤسساتي الجاف إلى البعد الإنساني الحي، فلم يعد المشاهد يرى الشرطي فقط في الشارع يقدم مخالفة أو يطارد مجرما، بل شاهد أفراد فرقة النخبة في لحظات ضعفهم الإنساني، وقلقهم على عائلاتهم، والضغط النفسي الرهيب الذي يرافق عملهم اليومي.
وما ميز حلقات هذا العمل هو التنوع الكبير والدقة في طرح المواضيع المعاصرة، حيث لم يقتصر على مطاردات الشوارع الكلاسيكية، بل غاص في عمق الجرائم السيبرانية، والابتزاز الإلكتروني، وتفكيك شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والاتجار بالبشر، وهي ملفات حقيقية تعكس التحديات الجيلية الجديدة التي تواجه المغرب.
وفي خضم هذه الملفات المعقدة، برز بشكل لافت وباهر دور المرأة داخل العمل البوليسي في المسلسل، مستلهما الواقع الفعلي للمديرية العامة للأمن الوطني. لم تظهر المرأة الشرطية في “K1” كعنصر ثانوي أو في أدوار مكتبية نمطية، بل قادت العمليات الميدانية والمداهمات (أوفيسيي أمينة بركات/الممثلة إيمان وسيلة، أوفيسيي مريم لطفي/ الممثلة هاجر الحاميدي، أوفيسيي صوفيا العمراني/ سحر نجمي)، وبرعت كمهندسة لفك شفرات الجرائم الإلكترونية المعقدة، وظهرت كصانعة قرار في غرف العمليات والتحليل الجنائي الوكيل العام (نادية الوازاني/ الممثلة فاطمة الزهراء الجواهري).
هذا الحضور النسائي القوي عكس بوضوح كيف تتبوأ المرأة المغربية اليوم مناصب القيادة والمسؤولية في جهاز الأمن، مظهرة توازنا مذهلا بين الصرامة المهنية في مواجهة الجريمة والذكاء العاطفي والإنساني في التعامل مع الضحايا.
النجاح الباهر لمسلسل “K1” والواقعية التي اتسم بها لم تكن لتتحقق لولا التحالف الذكي والتعاون الوثيق بين المديرية العامة للأمن الوطني والصناع الفنيين، في شراكة إنتاجية حقيقية تجاوزت رخص التصوير الكلاسيكية. فقد خضع الممثلون لفترات تدريبية تحت إشراف أطر أمنية لتعلم تقنيات المداهمة ولغة الجسد الخاصة بضباط الشرطة القضائية، كما وضعت المديرية تحت تصرف طاقم العمل معدات تقنية حديثة وسيارات خدمة وبنى تحتية حقيقية، رافقها توجيه تقني وقانوني مستمر للسيناريو لضمان دقة المساطر المتبعة في التحقيقات.
هذا التناغم بين الأمني والفنان يعكس وعيا جديدا بأهمية القوة الناعمة في إيصال الرسائل التوعوية وبناء الوعي الجماعي بحجم التضحيات التي تبذل لحماية الوطن واستقراره.
إن هذا الانفتاح والتحديث البصري يتكامل مع إستراتيجية تسويقية وهوية بصرية مدروسة بعناية، جعلت من الأمن المغربي براند ينافس الدول المتقدمة. فقد بدأت المنافسة الدولية من خلال ثورة المظهر عبر تصميم أزياء جديدة تجمع بين الأناقة العملية والمعايير الدولية، وتحديث أسطول المركبات بطلاء وتخطيط بصري حديث يمنح شعورا فوريا بالتنظيم الفائق.
واكتملت هذه الإستراتيجية بالانتقال إلى عالم الرقمية عبر الحسابات الرسمية النشيطة على منصات التواصل الاجتماعي التي تقدم الرواية الرسمية للأحداث بسرعة وبأكثر من لغة، مستبقة الإشاعات، بالإضافة إلى تحويل مجلة الشرطة إلى منبر رقمي أنيق ينافس المجلات العالمية المتخصصة.
لقد بلغت قوة “البراند” الأمني المغربي مداها العالمي عندما أصبحت المملكة نموذجا يحتذى به ومطلوبا دوليا في إدارة الأحداث الكبرى ومكافحة الإرهاب، وهو ما تجلى في الاستعانة بالخبرة الأمنية المغربية في تظاهرات دولية كبرى ككأس العالم وأولمبياد باريس، وصولا إلى استضافة الفعاليات الأمنية الكبرى كالدورة الثالثة والتسعين للجمعية العامة لمنظمة الإنتربول في مراكش.
إن ما نراه اليوم في مسلسل “K1” من إبهار بصري وقوة تواصلية، وما يلمسه المواطن في أيام الأبواب المفتوحة، يؤكد أن الأمن في عهد الملك محمد السادس أصبح يؤمن بأن المواطن هو الشريك الأول في إنتاج الاستقرار، لتسقط بذلك جدران الجفاء القديمة وتتوطد علاقة ثقة متينة تجعل من حماية الوطن مسؤولية مشتركة يتقاسمها الجميع بحب واعتزاز.
بقلم: صفاء بولجداد (باحثة في السوسيولوجيا)

