تعرض وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، خلال الأيام الأخيرة، لحملة إعلامية شرسة اعتبرها متابعون حملة ممنهجة ومقصودة، قادتها صفحات ومنابر محسوبة على جماعة العدل والإحسان وأخرى تدور في محيط منير القادري بودشيش، في توقيت لا يبدو بريئا ولا منفصلا عن التطورات الأخيرة المرتبطة بالزاوية القادرية البودشيشية وموقعها داخل الحقل الديني المغربي.
فالرجل الذي ظل لسنوات طويلة عنوانا للاستمرارية داخل وزارة الأوقاف، وحظي بثقة المؤسسة الملكية منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ثم في عهد الملك محمد السادس، وجد نفسه فجأة أمام هجمة منظمة تستهدف شخصه وموقعه، لا بسبب قرار إداري عابر، بل لأن الوزارة وضعت، عبر منصتها الرسمية “معالم الأوقاف”، معطى واضحا يتعلق بالتعريف بالزاوية القادرية البودشيشية، مع إدراج اسم الشيخ معاذ القادري بودشيش باعتباره الشيخ الحالي للطريقة.
“معالم الأوقاف” يشعل غضب خصوم الشيخ معاذ
ونشر الموقع الرسمي التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تعريفا بالزاوية القادرية البودشيشية، تضمن الإشارة إلى الشيخ معاذ القادري بودشيش، وهو ما قرأه عدد من المتابعين باعتباره مؤشرا رسميا جديدا ينسجم مع المعطيات السابقة الصادرة عن المؤسسة الدينية والرسمية في المملكة.
غير أن هذا المعطى لم يمر بهدوء، إذ أعقبته مباشرة موجة انتقادات حادة ضد وزير الأوقاف أحمد التوفيق، انخرطت فيها، وفق ما رصدته مصادر متابعة، صفحات ومواقع محسوبة على جماعة العدل والإحسان وأخرى قريبة من محيط منير القادري بودشيش، في ما بدا كأنه تحرك متزامن لا يمكن تفسيره بالصدفة وحدها.
وهنا تطرح أسئلة ثقيلة، كيف اجتمعت، في اللحظة نفسها، أصوات جماعة العدل والإحسان مع محيط منير القادري في مهاجمة وزير الأوقاف؟ ولماذا تحولت الإشارة الرسمية إلى اسم الشيخ معاذ القادري إلى سبب لإطلاق حملة إعلامية بهذا الحجم؟ وأي مصلحة تجمع بين طرف سياسي ديني معروف بمواقفه من الحقل الديني الرسمي، ومحيط يسعى إلى فرض قراءة أخرى داخل الطريقة البودشيشية؟
العدل والإحسان ومحيط منير.. صدفة أم تنسيق؟
وسبق لجريدة “آش نيوز” أن نبهت إلى ما وصفته بالعلاقة الوطيدة بين جماعة العدل والإحسان ومحيط منير القادري بودشيش، وإلى وجود مؤشرات على اختراق هذا المحيط من طرف قياديين محسوبين على الجماعة، بهدف التأثير في دهاليز الزاوية القادرية البودشيشية، خصوصا في الجهة المحيطة بمنير القادري.
واليوم، يبدو أن الهجمة المتزامنة على وزير الأوقاف تمنح هذا الطرح قوة إضافية، لأن الصدفة هنا تبدو أضعف من أن تفسر هذا الاصطفاف المفاجئ. فبمجرد أن ظهر اسم الشيخ معاذ القادري بودشيش في منصة رسمية تابعة للوزارة، تحركت آلة إعلامية كاملة لمحاولة ضرب الوزير أحمد التوفيق، وكأن المقصود ليس الوزير وحده، بل القرار الديني الرسمي نفسه.
إن ما يثير الانتباه ليس مجرد صدور انتقادات، فالنقد حق مشروع، بل الطريقة المتشابهة في الخطاب، والتوقيت الموحد، وحدة الهجوم، ومحاولة تصوير وزير الأوقاف كطرف في نزاع، في حين أن الأمر يتعلق بمؤسسة رسمية مسؤولة عن تنظيم الحقل الديني وحمايته من الفوضى والاختراقات السياسية.
معطيات عن هجمات سيبرانية بعد نشر اسم الشيخ معاذ
وفي تطور لافت، صرح خبير معلوماتي لـ”آش نيوز” بأن الموقع الرسمي “معالم الأوقاف” تعرض، بعد إدراج اسم الشيخ معاذ القادري بودشيش ضمن التعريف الرسمي بالطريقة، لهجمات سيبرانية دفعت الفريق التقني إلى اتخاذ احترازات أمنية، من بينها إغلاق الموقع مؤقتا إلى حين تأمينه بشكل كامل.
هذا المعطى، إن تأكدت تفاصيله التقنية بشكل رسمي، يرفع مستوى الخطورة من مجرد حملة إعلامية إلى احتمال استهداف رقمي لمنصة رسمية تابعة لوزارة سيادية، وهو ما يطرح أسئلة أكبر حول الجهة أو الجهات المستفيدة من تعطيل الموقع أو إرباك ظهوره بعد نشر المعطى المرتبط بالشيخ الحالي للطريقة.
ولا يمكن فصل هذه الواقعة عن السياق العام للهجمة التي طالت وزير الأوقاف، خاصة أن التصعيد الإعلامي والسيبراني، إذا اجتمعا في التوقيت نفسه، فإنهما يعكسان مستوى متقدما من الانزعاج من كل ما يؤكد الموقع الرسمي والشرعي للشيخ معاذ القادري بودشيش داخل الطريقة.
غضب من القرار الرسمي لا من أحمد التوفيق وحده
وما يتعرض له أحمد التوفيق لا يمكن قراءته فقط باعتباره استهدافا لشخص الوزير، بل هو في جوهره استهداف للمسار الرسمي الذي يؤطر الحقل الديني المغربي تحت إمارة المؤمنين. فالوزير، بحكم موقعه، ليس فاعلا معزولا، بل جزء من منظومة مؤسساتية حافظت على استقرار الشأن الديني في المغرب لعقود.
لذلك، فإن الحملة التي تقودها أو تساندها أطراف محسوبة على العدل والإحسان ومحيط منير القادري تبدو أقرب إلى تعبير عن غضب من المؤشرات الرسمية التي تؤكد مكانة الشيخ معاذ القادري بودشيش، أكثر مما هي نقاش موضوعي حول تدبير وزارة الأوقاف.
فحين يصبح إدراج اسم الشيخ معاذ في موقع رسمي سببا لإطلاق حملة ضد وزير من وزن أحمد التوفيق، فإن الرسالة واضحة، هناك أطراف لم تستسغ أن يتحرك الحقل الديني وفق منطقه المؤسساتي، لأنها كانت تراهن على الفوضى والالتباس لإبقاء الباب مفتوحا أمام التأويل والضغط والمناورة.
أحمد التوفيق.. رجل المواقف والأوقاف
ورغم كل ما يقال، يبقى أحمد التوفيق واحدا من أبرز الوجوه التي طبعت تدبير الشأن الديني بالمغرب، ليس فقط بحكم طول مدة تحمله للمسؤولية، بل لأنه ظل حاضرا في لحظات دقيقة كان فيها الحقل الديني بحاجة إلى ضبط ووضوح وتوازن.
وإذا كان البعض يحاول اليوم النيل من صورته، فإن الثابت أن الرجل ظل يحظى بثقة المؤسسة الملكية، وهي ثقة لا تمنح عبثا ولا تستمر لعقود دون تقدير لدوره داخل منظومة دينية وسياسية شديدة الحساسية.
إن استهداف وزير الأوقاف بهذه الطريقة يكشف، في العمق، حجم الارتباك الذي أصاب الجهات المتضررة من وضوح الموقف الرسمي. كما يكشف أن معركة بعض الأطراف لم تعد مع شخص أحمد التوفيق فقط، بل مع منطق الدولة في تدبير الحقل الديني، ومع إمارة المؤمنين باعتبارها المرجعية العليا الضامنة لوحدة المغاربة الدينية والروحية.
حملة تكشف أصحابها
وفي النهاية، قد تكون الهجمة على أحمد التوفيق أرادت إسقاط الوزير إعلاميا، لكنها كشفت أكثر مما أخفت. كشفت تقاطعا مريبا بين جماعة العدل والإحسان ومحيط منير القادري، وكشفت أن إدراج اسم الشيخ معاذ القادري بودشيش في منصة رسمية لم يكن خبرا عاديا بالنسبة لمن كانوا يراهنون على استمرار الغموض.
كما كشفت أن بعض الأطراف لا تهاجم وزارة الأوقاف لأنها أخطأت، بل لأنها أوضحت. ولا تهاجم أحمد التوفيق لأنه ضعف، بل لأنه يمثل، في هذا الملف، امتدادا لمنطق الدولة والمؤسسة الدينية الرسمية.
وبين حملة إعلامية متشنجة، واصطفاف مشبوه، ومعطيات عن هجمات سيبرانية، يبقى السؤال الأهم، من يخاف من وضوح الحقيقة داخل الطريقة القادرية البودشيشية؟ ومن تزعجه الإشارة الرسمية إلى الشيخ معاذ القادري بودشيش؟ الجواب، كما يبدو، يوجد في صخب الذين هاجموا أحمد التوفيق دفعة واحدة.

