أعاد إيداع الجنرال جبار مهنا، المدير الأسبق للمديرية العامة للوثائق والأمن الخارجي، السجن العسكري بالبليدة، ملف المعارض الجزائري المقيم بفرنسا أمير بوخرص، المعروف باسم “أمير دي زاد”، إلى واجهة الأحداث، في تطور يتداخل فيه البعد الأمني مع القضائي والسياسي، ويأتي في وقت تعرف فيه العلاقات الجزائرية الفرنسية توترا متزايدا على خلفية التحقيقات الجارية بشأن محاولة اختطاف المعارض الجزائري.
ويكتسي توقيت هذا القرار أهمية خاصة، بالنظر إلى تزامنه مع تصاعد الضغوط المرتبطة بالقضية داخل فرنسا، ما دفع عددا من المتابعين إلى التساؤل حول ما إذا كانت السلطات الجزائرية تسعى من خلال هذه الخطوة إلى احتواء تداعيات الملف وإظهار تعاملها معه عبر مؤسساتها القضائية والعسكرية، في محاولة لتخفيف حدة التوتر مع باريس.
أحد أبرز وجوه الاستخبارات الخارجية
وينظر إلى جبار مهنا باعتباره من أبرز الأسماء التي ارتبطت بجهاز الاستخبارات الخارجية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، حيث أشرف على ملفات حساسة تتعلق بالأمن الخارجي والتحركات الاستخباراتية خارج الحدود، ما جعل اسمه يحظى بحضور بارز داخل المنظومة الأمنية الجزائرية.
وقد ربطت عدة تحليلات بين متابعته القضائية الحالية وبين التوازنات والصراعات التي يعرفها جهاز الاستخبارات، خاصة في ظل التغييرات المتسارعة التي شهدتها المؤسسة الأمنية خلال الفترة الأخيرة.
مسار طويل داخل المؤسسة الأمنية
وينتمي مهنا إلى جيل القيادات الأمنية والعسكرية التي برزت خلال سنوات العشرية السوداء، وهي المرحلة التي شهدت بروز عدد من الشخصيات التي لعبت أدواراً مؤثرة داخل مؤسسات الدولة الجزائرية لعقود.
كما عرف بقربه من شخصيات بارزة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، من بينها وزير الدفاع الأسبق خالد نزار، والرئيس السابق لجهاز المخابرات محمد مدين المعروف باسم “الجنرال توفيق”، وهو ما جعله يمثل امتدادا لأحد التيارات النافذة داخل دوائر القرار الأمني.
من السجن إلى العودة ثم السقوط
وسبق للجنرال جبار مهنا أن دخل السجن العسكري بالبليدة عقب الحراك الشعبي لسنة 2019، بعد متابعته في قضايا تتعلق بالإثراء غير المشروع وإساءة استعمال السلطة، قبل أن يغادر السجن سنة 2020 ويعود تدريجيا إلى المشهد الأمني.
وبعد ذلك تولى قيادة مديرية مكافحة الإرهاب، قبل أن يتم تعيينه في شتنبر 2022 مديرا عاما للوثائق والأمن الخارجي، حيث شارك في عدد من الملفات الإقليمية والدولية التي أولتها الجزائر اهتماما خاصا، خصوصا تلك المرتبطة بالأزمة في مالي وتعزيز التعاون الأمني والعسكري مع عدد من الشركاء الدوليين.
تحولات داخل أجهزة الدولة
غير أن هذا الصعود السريع انتهى بشكل مفاجئ، بعدما وجد مهنا نفسه خارج دائرة النفوذ، قبل أن يرتبط اسمه اليوم بقضية باتت تحرج السلطات الجزائرية وتشغل القضاء الفرنسي.
وترى أوساط متابعة أن القضية تعكس تحولات أعمق داخل الجزائر، خاصة في ظل سلسلة الإعفاءات والتعيينات التي مست مواقع حساسة داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية خلال الأشهر الماضية.
وبحسب هذه القراءات، فإن التطورات الأخيرة توحي بوجود إعادة رسم لموازين القوى داخل النظام الجزائري، وسط تنافس بين مراكز نفوذ مختلفة، وسعي المؤسسة العسكرية إلى تعزيز حضورها في الملفات الاستراتيجية، مقابل محاولات الرئاسة الحفاظ على التوازنات القائمة داخل هرم السلطة، في مشهد تتداخل فيه الحسابات السياسية والأمنية والقضائية بشكل غير مسبوق.

