لم يكن الانتصار الذي حققه المنتخب المغربي على نظيره الهولندي في نهائيات كأس العالم 2026 الحدث الوحيد الذي استأثر باهتمام الجماهير، إذ سرعان ما تحولت الأنظار، مباشرة بعد صافرة النهاية بملعب مونتيري، إلى مشاهد إنسانية مؤثرة صنعتها لحظات اللقاء بين اللاعبين وأفراد عائلاتهم، في صور عكست حجم التضحيات التي رافقت مسيرتهم منذ الطفولة وحتى الوصول إلى أكبر محفل كروي في العالم.
فما إن أنهى “أسود الأطلس” احتفالاتهم فوق أرضية الملعب حتى اتجهوا نحو المدرجات، حيث كانت الأمهات والآباء ينتظرون أبناءهم. وهناك امتزجت دموع الفرح بالأحضان، في مشاهد لم تحتج إلى كلمات لتروي سنوات من الدعم والصبر والإيمان بالحلم.
مشاهد مؤثرة اجتاحت منصات التواصل
وسرعان ما غزت هذه الصور منصات التواصل الاجتماعي، بعدما وثقت عدسات المصورين لحظات مؤثرة جمعت إسماعيل صيباري بوالدته، وياسين جسيم بوالدته، وشمس الدين الطالبي بوالده، كما ظهر الناخب الوطني محمد وهبي رفقة زوجته، في مشاهد أعادت إلى الأذهان صور أشرف حكيمي وسفيان بوفال وهما يحتفلان مع والدتيهما خلال مونديال قطر، إلى جانب العناق الذي جمع يوسف النصيري بوالده في المدرجات.
ولعل أكثر تلك الصور تأثيرا كانت التي جمعت إسماعيل صيباري بوالدته، ليس فقط لأنها جاءت عقب مباراة حاسمة، وإنما لأنها اختزلت رحلة استثنائية من التحدي. فاللاعب الذي وُلد بتشوه خلقي وتقوس حاد في ساقيه، وسبق أن أبلغ الأطباء أسرته خلال طفولته بأن مستقبله في كرة القدم يبدو مستبعدا، نجح في تحويل تلك التوقعات إلى قصة نجاح، ليصبح أحد اللاعبين الذين ساهموا في قيادة المنتخب المغربي إلى تخطي عقبة المنتخب الهولندي.
ولم يقتصر التفاعل على الجماهير المغربية، إذ شارك الاتحاد الإفريقي لكرة القدم هذه المشاهد عبر حساباته الرسمية، مرفقا إياها بعبارة مقتضبة حملت الكثير من الدلالات: “دموع أم.. حلم ابن”.
الأسرة.. شريك أساسي في صناعة النجاح
ويرى باحث في علم الاجتماع الرياضي أن اختزال هذه المشاهد في كونها مجرد تعبير عفوي عن فرحة الانتصار لا يعكس حقيقتها الكاملة، لأنها في العمق تعبر عن منظومة اجتماعية وثقافية راسخة داخل المجتمع المغربي، حيث تظل الأسرة المؤسسة الأولى التي تشكل شخصية الفرد وتصوغ منظومة قيمه منذ الطفولة.
ويؤكد الباحث أن اللاعب، مهما بلغ من الاحتراف والنجومية، يبقى امتدادا للبيئة الأسرية التي نشأ فيها، وهو ما يفسر حرص عدد كبير من لاعبي المنتخب المغربي على إشراك عائلاتهم في لحظات النجاح، وفي مقدمتها الأم، التي غالبا ما تكون أول من آمن بقدرات ابنها وتحملت معه سنوات طويلة من التضحية والدعم.
كما يبرز أن دور الأسرة لا يقتصر على التشجيع المعنوي فقط، بل يمتد إلى مرافقة اللاعب منذ بداياته الأولى، سواء عبر التنقل اليومي إلى التداريب والمباريات أو من خلال توفير الدعم النفسي خلال فترات الإخفاق والإصابات والضغوط التي ترافق المسيرة الرياضية، وهو ما يجعلها عنصرا أساسيا في بناء توازنه النفسي واستقراره.
هوية صمدت رغم الاغتراب
من جانبه، يرى باحث آخر في علم الاجتماع أن عددا كبيرا من لاعبي المنتخب المغربي نشأوا في أوروبا، لكنهم حافظوا على ارتباطهم بهويتهم وقيمهم الأسرية، وهو ما يتجلى في حرصهم على الاحتفال مع أمهاتهم وآبائهم بعد كل إنجاز.
ويشير إلى أن المنتخب المغربي أصبح حالة مميزة في كرة القدم العالمية من خلال إبراز دور الأسرة، خاصة الأمهات اللواتي ارتبطت قصص نجاح عدد من اللاعبين بتضحياتهن ودعمهن المتواصل.
ويخلص إلى أن هذه المشاهد تعزز صورة المغرب في الخارج، وتقدم للشباب رسالة مفادها أن النجاح الحقيقي يرتبط بالاجتهاد والوفاء للأسرة والاعتزاز بالجذور، وهو ما جعل احتفالات “أسود الأطلس” بعد كل انتصار إحدى أبرز سمات هوية المنتخب المغربي.

