أعاد ظهور منير القادري بودشيش خلال إحدى الليالي المنظمة بزاوية باشكو في مدينة الدار البيضاء، وهو جالس إلى جانب موظف تابع لرئاسة النيابة العامة، النقاش حول حدود الحضور الشخصي لموظفي المؤسسات القضائية في مناسبات قد تحمل، بحكم سياقها، أكثر من دلالة لدى الرأي العام. وقد أثار المشهد تساؤلات بين عدد من المتابعين، خاصة أنه يأتي في مرحلة تعيش فيها الزاوية القادرية البودشيشية على وقع خلافات داخلية ونقاشات متصاعدة بين أطراف محسوبة عليها.
ولا يندرج هذا النقاش ضمن الاعتراض على حرية الأفراد في ممارسة شعائرهم الدينية أو الانتماء إلى الطرق الصوفية، باعتبار ذلك حقا شخصيا تكفله القوانين الجاري بها العمل، كما أن حضور موظف عمومي إلى مناسبة دينية لا يشكل في حد ذاته دليلا على وقوع أي تجاوز أو إخلال. غير أن حساسية المشهد تبدأ عندما يتعلق الأمر بموظف ينتمي إلى مؤسسة قضائية يفترض فيها، وفي العاملين داخلها، الحفاظ على قدر عال من الحياد والتحفظ، والابتعاد عن كل ما يمكن أن يفتح الباب أمام التأويل أو يوحي بالقرب من طرف داخل نزاع قائم.
سياق داخلي يمنح الظهور دلالات إضافية
وتزداد الأسئلة المطروحة حول هذا الظهور بالنظر إلى الظرفية التي تمر بها الزاوية خلال الأشهر الأخيرة، والتي اتسمت بوجود خلافات داخلية وشكايات متبادلة بين بعض المنتسبين إليها، وهي ملفات سبق أن استأثرت باهتمام المتابعين، بصرف النظر عن المسارات القانونية التي قد تأخذها أو النتائج التي قد تنتهي إليها.
ومن هنا برزت تساؤلات بشأن ما إذا كان من الأجدر تفادي هذا الحضور العلني حفاظا على صورة التحفظ التي يفترض أن تلازم العاملين داخل المؤسسات القضائية، خصوصا في سياقات قد يقرأ فيها كل مشهد من زوايا مختلفة. كما يثار سؤال آخر حول طبيعة مكان الجلوس إلى جانب منير القادري بودشيش، وما إذا كان الأمر لا يتجاوز حضورا عاديا في مناسبة دينية، أم أن الصورة قد تمنح لدى بعض المتابعين انطباعا مختلفا بحكم طبيعة المرحلة.
ما الرسالة التي قد يفهمها المريدون؟
ولا يتوقف النقاش عند حدود حضور الموظف القضائي، بل يمتد إلى الطريقة التي قد يقدم بها منير القادري بودشيش هذا المشهد أمام المريدين والمتابعين، في ظل وجود صراع داخلي محتدم داخل الزاوية. فالصورة، حتى وإن كانت عفوية، قد تفسر لدى بعض الأطراف بوصفها رسالة دعم أو قرب من مؤسسة حساسة، في حين قد يعتبرها آخرون مجرد حضور شخصي لا يحمل أي معنى سياسي أو قضائي.
ويطرح ذلك سؤالا مشروعا حول الرسالة التي يمكن أن يفهمها العموم من هذا الظهور، وحول ما إذا كانت الرمزية التي أحاطت بالمشهد مقصودة أم أنها نتاج التأويلات التي فرضها السياق الداخلي للزاوية. كما يبرز السؤال بشأن ما إذا كان هذا النوع من الصور يخدم الشفافية أم يزيد مساحة الالتباس في مرحلة تتطلب من جميع الأطراف تجنب كل ما يمكن أن يفسر خارج معناه الحقيقي.
لا اتهام دون قرائن قانونية
وفي مقابل هذه التساؤلات، يبقى من الضروري الفصل بين الانطباع العام وبين الوقائع القانونية الثابتة، إذ لا يمكن بناء أي استنتاج يتعلق بالتأثير على شكايات أو مساطر أو إجراءات قضائية إلا بالاستناد إلى أدلة واضحة وقرائن قابلة للإثبات. كما أن استقلال القضاء وحياد المؤسسات القضائية مبدأ دستوري، ولا يجوز المساس به أو التشكيك فيه اعتمادا على صورة أو حضور في مناسبة من دون معطيات مادية تؤيد ذلك.
ويبقى الرهان الأساسي في مثل هذه الحالات هو ترسيخ ثقافة التحفظ والشفافية، وتجنب المظاهر التي قد تمنح انطباعات قابلة للتأويل، بما يحافظ على ثقة المواطنين في المؤسسات ويجنب مختلف الأطراف الدخول في سجالات كان من الممكن تفاديها بمزيد من الوضوح والمسافة.

