مرة أخرى، وجدت السلطة الجزائرية نفسها في مواجهة امتحان لا تحسم نتائجه بالبيانات الرسمية ولا بخطابات التمجيد، بل بسؤال صحافي مباشر. ففي مشهد أثار تفاعلا واسعا على منصات التواصل، تحول لقاء إعلامي في ألمانيا إلى لحظة سياسية وإعلامية لافتة، بعدما وجه للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سؤال يتعلق بقضية اعتقال صحافي فرنسي.
غير أن ما جذب الأنظار لم يكن السؤال في حد ذاته، بل طريقة التعامل معه. فبدلا من استثمار المناسبة لتقديم توضيحات أو الدفاع عن موقف الجزائر أمام الإعلام الدولي، جاء الرد مقتضبا: “لن أجيب على مثل هذه الأسئلة إلا في الجزائر.” وهي عبارة فتحت الباب أمام سيل من التعليقات الساخرة والانتقادات، باعتبار أن المسؤول الأول في الدولة اختار مغادرة منطقة الأسئلة الصعبة بدل مواجهتها.
الإعلام الحر لا يغير أسئلته بتغير الجغرافيا
ففي الديمقراطيات الراسخة، لا يحمل الصحافي أسئلته بحسب البلد الذي يوجد فيه، بل بحسب أهمية القضية المطروحة. فالإعلام الدولي لا يعترف بحدود تمنع مساءلة المسؤولين، ولا يعتبر المؤتمرات الصحافية مناسبات لترديد المجاملات، وإنما فضاءات لطرح الملفات الحساسة التي تشغل الرأي العام.
ومن هذا المنطلق، بدا الرد وكأنه يرسل رسالة معاكسة تماما لما كانت الجزائر تسعى إلى تسويقه بشأن انفتاحها على الخارج. فحين يرفض مسؤول الإجابة لأن السؤال طرح خارج بلاده، فإن الانطباع الذي يترسخ لدى كثيرين هو أن المشكلة ليست في السؤال، بل في القدرة على التعامل معه أمام إعلام لا يخضع للرقابة المحلية.
منصات التواصل.. السخرية أسرع من البيانات
ولم تنتظر شبكات التواصل طويلا حتى تحولت الواقعة إلى مادة للتعليق والسخرية، حيث تداول مستخدمون مقاطع الفيديو مصحوبة بتعليقات لاذعة، من بينها العبارة التي انتشرت على نطاق واسع: “غفلوه وجابوه على برا.”
وتعكس هذه التفاعلات، بصرف النظر عن دقتها أو عدالتها، كيف أصبحت أي لحظة تردد أو ارتباك في التواصل السياسي تتحول خلال دقائق إلى حدث عالمي، يصعب احتواؤه بالتصريحات اللاحقة أو التفسيرات المتأخرة.
السياسة اليوم تقاس أيضا بطريقة الإجابة
ولم تعد صورة المسؤول تبنى فقط عبر القرارات التي يتخذها، بل كذلك عبر كيفية تعامله مع الأسئلة المحرجة. فالقدرة على الرد الهادئ والمقنع أصبحت جزءا من القوة السياسية، بينما يفسر التهرب من الإجابة، في كثير من الأحيان، على أنه ضعف في إدارة الموقف، حتى وإن كانت لدى المسؤول مبررات قانونية أو دبلوماسية لعدم الخوض في الملف.
وهنا تحديدا تكمن المفارقة، إذ إن السؤال الذي ربما كان سيمر مرور الكرام لو أجيب عنه بهدوء، تحول بسبب طريقة التعامل معه إلى عنوان رئيسي للنقاش، وإلى مادة إعلامية تجاوزت حدود المؤتمر الصحافي نفسه.
عندما تصبح الإجابة هي الخبر
وربما لم تكن الصحافة الألمانية تبحث عن إحراج الرئيس الجزائري بقدر ما كانت تمارس وظيفتها الطبيعية في مساءلة المسؤولين حول القضايا المثيرة للجدل. لكن النتيجة جاءت مختلفة، إذ لم يعد السؤال هو محور النقاش، بل أصبحت الإجابة المختصرة وما حملته من دلالات هي الحدث الأبرز.
وفي عالم السياسة والإعلام، هناك قاعدة لا تتغير، المسؤول لا يختار دائما الأسئلة التي تطرح عليه، لكنه يختار دائما الطريقة التي يجيب بها. وأحيانا، تكون الإجابة نفسها أكثر إحراجا من السؤال.

