تعيش “زريبتنا” الإعلامية، هذه الأيام، على وقع الحروب والمعارك الصغيرة، وتبادل الاتهامات وإرسال البلاغات والاحتجاجات، مفضلة الرقص على إيقاع “ضريب الطر” بين محمد أوزين وادريس شحتان، وتداعيات “دفلة” سعيد ولد الحوات على “أصحاب البونجات” في موسم مولاي عبد الله أمغار، ومراسلة النقابات والمنظمات المهنية لرئيس الحكومة من أجل التدخل لتأخير انتخابات المجلس الوطني للصحافة، في الوقت الذي يواجه المغرب حروبا أخرى، تتعلق بكرامته وتنميته الاجتماعية ومستقبله في العالم الجديد الذي يتشكل.
لقد تبهدلت “صاحبة الجلالة” ووصلت إلى أسفل سافلين بسبب ممارسات بعض المحسوبين على المهنة، والمتطفلين عليها، والكارهين لها.. وكأن جهة ما، سامحها الله، سلطت عليها هذه اللعنة الأبدية، لتتخلص من تمردها وحريتها وتأثيرها، لتأتي مواقع التواصل “غير” الاجتماعي بالضربة القاضية، في ظل إقبال غير مسبوق من “هركاوة” على استهلاك كل “الخراء” الذي تبثه هذه المنصات “السامة”، التي تحترف الكذب والتضليل و”الفيك نيوز” لرفع المشاهدات ونشر “الكلاخ” والأمراض النفسية والعاهات.
جميع المجالات تتقدم وتتغير وتتطور، إلا هذا القطاع الموبوء الذي ينخره منذ سنوات طويلة سرطان لعين سيقضي على آخر المقاومين في هذه المهنة التي لا تحب السلطة “حرايفييها” وتخشى “غدرهم” وتغيرهم عليها، وتجزي بالإشهارات والإعلانات والدعم العمومي، من تعتقد أنها تأمن شرهم، إلى أن تغولوا على الجميع، ولم يعد يهمهم من تأسيس المواقع سوى مصلحتهم الشخصية، وهم مستعدون من أجل قضائها، إلى جميع أنواع الظلم والابتزاز و”الحكرة” ونشر التفاهة، إلى درجة أن المواطنين أصبحوا يهابون بعضها اليوم، أكثر مما يهابون القانون والأمن والعدالة، ويعتبرون أنها الوحيدة القادرة على أنها “تدخلك الحبس” أو “تجلسك على بابه”.
هل نحتاج فعلا نحن قبيلة “السخافيين” اليوم إلى مجلس وطني للصحافة بعد أن أثبتت هذه المؤسسة فشلها الذريع وانتهت بفضيحة “إش إش” و”التشيطين” و”un petit mot” المدوية، التي علمت على هذا الجسم الصحافي العليل “المهدود” والهش على جميع المستويات وجعلتنا نظهر مثل “القرودة” ونكره اختيارنا هذه المهنة النبيلة التي حولناها إلى “شوهة” ووصمة عار في جبين جميع الممارسين الموضوعين كلهم في سلة واحدة؟ وعن أي تنظيم ذاتي نتحدث وصفحات على “فيسبوك” تحولت بقدرة قادر إلى مواقع إعلامية متخصصة في الطبخ والجمال وأخبار إنستغرام والفضائح، تقتات من كعكة الدعم وتؤدى لها أجور الصحافيين، في الوقت الذي تستثنى منه منصات إعلامية محترمة تقوم بعمل مهني جاد وتترك للمغامرة والتخبط والبحث عن نموذج اقتصادي يجنبها الإفلاس؟
كيف يمكن أن نتخلص من هذه الورطة ولائحة “الصحافيين” الصادرة عن اللجنة المؤقتة تحمل أسماء جلها غير معروف ولم يقرأ لها أحد ولا يعرف من أين نزلت ولا كيف حصلت على بطاقة مهنية ولا متى درست وتكونت ولا أين ولا كيف حصلت على شهادة متخصصة؟ كيف نفرق اليوم بين الصحافي المهني وبين الباحث عن”الهوتة” لصنع “البوز” وبين من دخل المجال للاسترزاق وابتزاز الناس؟ أين يمكن أن نصنف بعض “الصحافة الجهوية” التي تمارس البلطجة والتعربيد الإعلامي؟ إنها “عصيدة” خرجت عن “اليد” وفاضت على الكأس، وأصبح لسان الحال يردد “وا فكها يا من وحلتيها”.
الحديث طويل وذو شجون. والنقاش يتطلب أشخاصا واعين ناضجين، وقبل هذا وذاك، محبين وشغوفين بمهنة المتاعب. لأنك إن أحببت شيئا، فعلت ما بوسعك للحفاظ عليه والعناية به. نحن لسنا مع صحافة “الأجندات” والولاءات الخارجية، لكن شرها أقل بكثير من مواقع تنشر البلادة والبؤس والتخلف تحت جلباب وطنية زائفة و”تازلايجيت” فجة وفاقدة للمصداقية. أما تلك الصحافة المكتوبة التي تلفظ أنفاسها، فأقل ما يمكن أن نفعله في حقها هو الدعاء عليها بالرحمة وبأن ينال كل من ساهم في قتلها، أشد العقاب. آمين.
