أثار تراجع تدفقات الغاز عبر إسبانيا نحو المغرب خلال الفترة الأخيرة تساؤلات بشأن خلفياته، خصوصا مع تزامنه مع أزمة الهجرة في سبتة، غير أن المعطيات المرتبطة باستهلاك الكهرباء وتشغيل محطات الإنتاج تقدم تفسيرا مختلفا، يقوم أساسا على انخفاض الطلب الوطني على الطاقة مع نهاية ذروة الموسم الصيفي.
كما نفت الحكومة الإسبانية وجود أي قرار سياسي يستهدف الإمدادات الموجهة نحو المملكة، في وقت تكشف فيه أرقام استهلاك الكهرباء أن المغرب أصبح يحتاج حاليا إلى كميات أقل من الغاز مقارنة بما كان عليه الوضع خلال ذروة الحر في يوليوز.
من 8400 إلى 7400 ميغاوات
وسجلت الشبكة الكهربائية الوطنية في مطلع يوليوز طلبا قياسيا بلغ حوالي 8400 ميغاوات، مدفوعا بدرجات الحرارة المرتفعة وما يصاحبها من زيادة كبيرة في استهلاك أجهزة التكييف والتبريد، إلى جانب ارتفاع النشاط السياحي خلال فصل الصيف.
لكن الطلب انخفض مع اقتراب نهاية غشت، ليصل في 24 من الشهر الجاري إلى نحو 7400 ميغاوات، مسجلا بذلك تراجعا بحوالي ألف ميغاوات مقارنة بذروة الاستهلاك المسجلة في بداية يوليوز.
ويعني انخفاض الطلب أن الشبكة الوطنية أصبحت تحتاج إلى تشغيل قدرة إنتاجية أقل، الأمر الذي ينعكس بدوره على المحطات العاملة بالغاز الطبيعي، وعلى رأسها تهدارت وعين بني مطهر.
الغاز يمر عبر إسبانيا لكنه ليس إسبانيا
وتبرز هنا نقطة أساسية في فهم طبيعة التدفقات، فالغاز الذي يصل إلى المغرب عبر الأراضي الإسبانية ليس بالضرورة غازا إسبانيا، وإنما تقتني المملكة الغاز الطبيعي المسال من السوق الدولية، بما في ذلك من الولايات المتحدة والبيرو.
وتتم إعادة تحويل الغاز المسال داخل المنشآت الإسبانية قبل ضخه نحو المغرب عبر أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، الذي أصبح يعمل في الاتجاه المعاكس لتزويد المملكة باحتياجاتها.
لذلك، فإن إسبانيا تؤدي دورا محوريا في البنية اللوجستيكية التي تسمح بإيصال الغاز إلى المغرب، بينما تتحدد الكميات المطلوبة بناء على حاجيات المنظومة الكهربائية المغربية.
لماذا انخفضت الحاجة إلى الغاز؟
ولا يعتمد المغرب على الغاز وحده لإنتاج الكهرباء، إذ لا تتجاوز مساهمته حاليا، وفق المعطيات المتوفرة، نحو 9 في المائة من المزيج الكهربائي الوطني.
كما أن ترتيب تشغيل مصادر الإنتاج يرتبط بالكلفة والتوفر وحاجيات الشبكة، حيث تمنح الأولوية، بحسب مصادر مطلعة، للطاقات المتجددة ومحطات الفحم، بينما يدخل الغاز والفيول لتغطية الاحتياجات الإضافية وضمان توازن المنظومة.
وبالتالي، كلما انخفض الطلب الإجمالي على الكهرباء، تقل الحاجة إلى تشغيل المحطات الغازية لفترات أطول، وهو ما يؤدي بصورة طبيعية إلى انخفاض كميات الغاز المطلوبة.
أزمة سبتة خارج المعادلة الطاقية
وجاءت هذه المعطيات بالتزامن مع نفي مدريد وجود أي علاقة بين انخفاض التدفقات وأزمة الهجرة في سبتة، بعدما تحدثت تقارير إعلامية عن احتمال استخدام الطاقة أداة للضغط السياسي على المغرب.
وأكد الجانب الإسباني عدم وجود ما سمي “خطة طوارئ” لتعليق إمدادات الغاز، نافيا بذلك القراءات التي منحت الانخفاض الأخير بعدا سياسيا مرتبطا بالعلاقات بين البلدين.
وتضع هذه المؤشرات تراجع الغاز في سياقه التقني والاقتصادي المباشر: استهلاك أقل للكهرباء يعني حاجة أقل إلى تشغيل محطات الغاز، وبالتالي انخفاض الكميات التي يطلبها المغرب عبر البنية التحتية الإسبانية.

