تحول نقل زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية إلى لواندا على متن طائرة رئاسية جزائرية إلى مادة جديدة للجدل السياسي داخل الجزائر، بعدما تزامنت الرحلة مع واحدة من أكثر موجات الحرائق حدة خلال الأيام الأخيرة، والتي خلفت ضحايا ومصابين ودفعت السلطات إلى إجلاء سكان من مناطق مهددة.
ورأى معارضون أن المفارقة بين مشاهد الحرائق في الداخل واستعمال طائرة رسمية لنقل قيادة البوليساريو إلى الخارج تختزل، من وجهة نظرهم، خللا في ترتيب الأولويات، خاصة أن عددا من المناطق المتضررة كان يواجه وضعا استثنائيا يتطلب تعبئة بشرية ولوجستيكية واسعة.
“المواطن وسط النيران والأولوية للبوليساريو”
واعتبر منتقدون أن تسخير وسيلة تابعة لرئاسة الجمهورية لنقل زعيم الجبهة في هذا الظرف يثير تساؤلات بشأن مدى حضور الأزمة الداخلية ضمن سلم الأولويات، خصوصا مع استمرار الحرائق واتساع رقعتها وارتفاع الحاجة إلى وسائل التدخل والمساندة.
وبحسب هذه القراءة، فإن المشهد بدا أكثر حساسية بسبب تزامن سفر الوفد نحو لواندا مع فرار عائلات من مناطق مهددة بالنيران، ما دفع معارضين إلى وصف الواقعة بأنها تعكس فجوة بين أولويات السلطة ومطالب المواطنين خلال الأزمات.
ولا ترتبط الانتقادات بالطائرة وحدها، بل امتدت إلى مجمل الدعم الذي توفره الجزائر لجبهة البوليساريو، حيث عاد السؤال مجددا حول حجم الموارد المالية واللوجستيكية التي تنفق على تحركات قيادتها ومشاركاتها الخارجية.
أين تذهب أموال الدعم؟
وطالب معارضون جزائريون بكشف أكثر وضوحا عن كلفة دعم البوليساريو، معتبرين أن الرأي العام من حقه معرفة حجم الموارد العمومية المخصصة لهذا الملف، خاصة في أوقات تتزايد فيها الاحتياجات الداخلية المرتبطة بالحماية المدنية ومكافحة الكوارث والبنيات الأساسية.
ويرى هؤلاء أن الحرائق الأخيرة كان يفترض أن تدفع نحو تعبئة استثنائية لكل الإمكانات المتاحة، وأن تتقدم حماية السكان والمناطق المنكوبة على أي تحركات سياسية خارجية يمكن تأجيلها أو تدبيرها بوسائل أقل كلفة.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت تواجه فيه الحكومة الجزائرية أسئلة متجددة بشأن مدى كفاية أسطول مكافحة الحرائق وفعالية أنظمة الإنذار المبكر والوقاية، بعدما خلفت النيران خسائر بشرية وأجبرت السلطات على تنفيذ عمليات إجلاء في عدد من المناطق.
مشهد يلخص جدل الأولويات
وبينما كانت فرق الحماية المدنية تواصل محاصرة عشرات البؤر، غادرت الطائرة الرسمية في اتجاه لواندا، وهي صورة استثمرها خصوم السلطة باعتبارها دليلا على ما يسمونه “ارتباك الأولويات” واستمرار منح ملفات إقليمية مساحة تفوق، في نظرهم، ما تستحقه مقارنة ببعض الاحتياجات الداخلية العاجلة.
ومع ذلك، تظل هذه الاستنتاجات جزءا من خطاب سياسي معارض، ولا تتوفر في المعطيات المتاحة تفاصيل رسمية دقيقة بشأن كلفة الرحلة أو علاقتها المباشرة بالموارد المخصصة لمواجهة الحرائق.
لكن الواقعة أعادت بقوة إلى النقاش مسألة أوسع تتعلق بكيفية توزيع الدولة الجزائرية لمواردها بين التزاماتها الإقليمية وملفاتها الخارجية من جهة، وبين حاجات المواطنين في الداخل خلال فترات الأزمات والكوارث من جهة أخرى.

