تستعد جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن، إلى رفع مذكرة علمية ومؤسساتية إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تطالب فيها بفتح ورش علمي متخصص حول حقيقة “المشيشية” تاريخيا.
وتقترح الجمعية تشكيل لجنة علمية مستقلة من المتخصصين في التاريخ والتصوف والمخطوطات والعلوم الشرعية، تكون مهمتها التحقيق والتوثيق وإصدار نتائج علمية بعيدة عن التجاذبات الشخصية والتنظيمية، حول نشأة الطريقة الشاذلية وتطورها والطرق الصوفية التي تفرعت عنها واستعمال أسماء الأولياء في تسمية الطرق والتنظيمات الصوفية المعاصرة وضرورة اعتماد الوثيقة والمخطوط والسند في إثبات الانتسابات الصوفية، إلى جانب مفهوم الانتساب إلى مولاي عبد السلام بن مشيش وسنده الصوفي وعلاقته بسيدي أبي الحسن الشاذلي.
حماية الحقيقة التاريخية وصيانة أمانة السند الصوفي
ويأتي هذا التحرك من طرف جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن، من أجل حماية الحقيقة التاريخية وصيانة أمانة السند الصوفي والحفاظ على أصالة التصوف المغربي، بعد أن تابعت ما يروج في بعض الأوساط من استعمال اسم “المشيشية” للدلالة على طريقة صوفية أو تنظيم صوفي، وربط هذا الاسم مباشرة بالقطب الرباني والولي الصالح مولانا عبد السلام بن مشيش وما نتج عنه من الخلط والتوظيف غير الموثق.
وعبرت الجمعية، في بلاغ لها، عن رفضها أن تتحول أسماء الأولياء إلى عناوين مفتوحة للانتساب دون سند، أو أن يعاد تشكيل التاريخ الصوفي وفق التداول المعاصر بعيدا عن الوثيقة والمخطوط والسند والشهادة التاريخية، مشيرة إلى أن ربط “المشيشية” بالقطب الرباني والولي الصالح مولانا عبد السلام بن مشيش، من غير دليل تاريخي وعلمي موثق، يعد ظلما لهذا الولي الصالح، وافتراء عليه، وتزويرا للحقائق والتاريخ، لما ينطوي عليه من تحميل اسمه ما لم يثبت عنه، وإعادة صياغة مقامه وإرثه الروحي وفق دعاوى لا يسندها التحقيق العلمي.
تقديم الدليل الموثق والسند التاريخي الصريح
وأوضحت الجمعية، في البلاغ نفسه، أن مولاي عبد السلام بن مشيش لم يؤسس طريقة صوفية مستقلة تحمل اسم “المشيشية” بالمعنى الاصطلاحي المعروف للطرق الصوفية، وبالتالي فإن تقديمها باعتبارها طريقة صوفية مستقلة أسسها، يستوجب، من الناحية العلمية والتاريخية، تقديم الدليل الموثق والسند التاريخي الصريح الذي يثبت ذلك.
وتطرح الجمعية، في بلاغها، مجموعة من الأسئلة: أين تأسست الطريقة المشيشية؟ ومن هو مؤسسها؟ وأين سندها التاريخي؟ وأين نصوصها الأصلية؟ وأين شيوخها المتسلسلون في السند؟ وأين المصادر القديمة التي تثبت وجودها كطريقة مستقلة بهذا الاسم؟ مشيرة إلى أن هذه الأسئلة ليست أسئلة خصومة، وإنما هي أسئلة علمية بامتياز. فالطريقة الصوفية ليست مجرد اسم يضاف إلى اسم ولي صالح، وإنما لها تاريخ، وسند، وشيوخ، وتلاميذ، ومتون، ومؤسسات، وامتداد روحي معروف.
العلاقة الروحية والتربوية مع أبي الحسن الشاذلي
وأبرز البلاغ، العلاقة الروحية والتربوية الوطيدة التي جمعت بين عبد السلام بن مشيش وأبو الحسن الشاذلي، “فالمعروف في التراث الصوفي أن أبا الحسن الشاذلي أخذ عن مولانا عبد السلام بن مشيش، وتأثر به، وانتقل عنه إرث روحي وتربوي عظيم. ومن هذا الامتداد الروحي والتربوي ارتبط اسم أبي الحسن الشاذلي بالطريقة الشاذلية التي أصبحت واحدة من أكبر المدارس الصوفية انتشارا وتأثيرا في العالم الإسلامي. وهنا تكمن نقطة تاريخية وروحية بالغة الأهمية: مولانا عبد السلام بن مشيش هو الشيخ والقطب والمربي، وأبو الحسن الشاذلي هو التلميذ والوارث الروحي الذي حمل ذلك الإرث وأسس المدرسة والطريقة التي عرفت تاريخيا باسم الشاذلية”.
دعوة إلى التصدي إلى تزوير التاريخ الروحي
ونبهت الجمعية، في البلاغ نفسه، إلى خطورة تزوير الذاكرة الروحية، منبهة إلى أن القضية ليست قضية اسم عابر. فالاسم حين يرتبط بالتصوف يصبح جزءا من الذاكرة. والذاكرة حين تتكرر فيها رواية معينة تصبح مع مرور الزمن تاريخا متداولا. فإذا نسبت طريقة إلى ولي دون دليل، ثم تكرر هذا الانتساب جيلا بعد جيل، فقد يتحول الادعاء مع الزمن إلى حقيقة في الوعي العام، رغم غياب الدليل التاريخي. كما دعت العلماء والباحثين والمؤسسات المختصة إلى التصدي إلى تزوير التاريخ الروحي الذي ليس أقل خطرا من تزوير التاريخ السياسي أو الثقافي. لأن التاريخ الروحي للأمة جزء من هويتها وذاكرتها ووجدانها.
وناشدت جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن تتعامل مع هذه القضية بما تستحقه من عناية علمية ومؤسساتية. فالتصوف المغربي جزء من الرصيد الديني والروحي والحضاري للمملكة وحمايته من التزوير والخلط ليست ترفا فكريا، وإنما هي حماية لذاكرة وطنية وروحية عميقة، معتبرة ربط المشيشية بمولانا عبد السلام بن مشيش دون مستند موثق، ظلم للولي الصالح، وافتراء عليه، وتزوير للحقائق والتاريخ، وإساءة إلى أمانة التراث الصوفي المغربي.

