لم تنتظر الحملة الانتخابية لتشريعيات 23 شتنبر 2026 طويلا حتى تضع صرامة القواعد الجديدة أمام أول اختبارات التطبيق، بعدما دخلت الأحزاب واللوائح المتنافسة سباق الدعاية الانتخابية وسط ترسانة قانونية أكثر تشددا، أعلنت السلطات منذ البداية أن الهدف منها حماية نزاهة الاقتراع وضمان تكافؤ الفرص ومنع توظيف الرموز الوطنية أو المال أو الفضاء الرقمي بطرق يمنعها القانون. وانطلقت الحملة رسميا يوم 10 شتنبر، على أن تنتهي عند منتصف ليلة 22 شتنبر.
وفي مراكش، برزت حالة تهم لائحة حزب الأصالة والمعاصرة التي تقودها القيادية فاطمة الزهراء المنصوري، بعدما تم تداول ملصق انتخابي خاص باللائحة يظهر ضمن عناصره، في أسفل التصميم، رسم لصندوق اقتراع يحمل خريطة المغرب بألوان تحيل بوضوح إلى الأحمر والأخضر، مع نجمة خضراء داخل الخريطة، قبل أن يتم حذف النسخة الأولى واستبدالها بنسخة أخرى اختفى منها ذلك العنصر.
والواقعة، التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد تفصيل غرافيكي صغير داخل ملصق انتخابي كبير، تطرح سؤالا قانونيا أكبر، هل يكفي اكتشاف المخالفة وحذف التصميم بعد نشره لتجاوز آثارها، أم أن نشر المادة الانتخابية في حد ذاته، متى ثبت وتوافرت فيه عناصر المخالفة، يمكن أن يرتب المسؤولية المنصوص عليها في القانون؟
الأحمر والأخضر.. المنع واضح في القانون
والمسألة هنا لا تتعلق بتقدير سياسي أو قراءة موسعة لقواعد الحملة، إذ تنص المادة 35 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب على أنه لا يجوز أن تتضمن الإعلانات غير الرسمية ذات الغرض أو الطابع الانتخابي، وكذلك برامج المترشحين ومنشوراتهم، اللونين الأحمر أو الأخضر أو الجمع بينهما. وأعادت البوابة الرسمية للمملكة التذكير بهذا المنع عشية انطلاق الحملة الانتخابية الحالية.
والأهم أن المشرع لم يترك هذه القاعدة دون جزاء. فبعد التعديلات التي جاء بها القانون التنظيمي رقم 53.25 لسنة 2026، أصبحت المادة 41 تنص على غرامة تتراوح بين 50 ألفا و100 ألف درهم إذا ارتكب مخالفة أحكام المادة 35 أحد المترشحين، فيما تصل الغرامة إلى 300 ألف درهم بالنسبة إلى صاحب المطبعة متى توافرت الشروط القانونية للمخالفة.
وهنا يصبح ملصق لائحة المنصوري حالة تستحق المعاينة القانونية من الجهات المختصة، لا سيما أن النسخة التي تم تداولها تضمنت بالفعل العنصر محل التساؤل قبل أن تظهر لاحقا نسخة معدلة حذف منها رسم صندوق الاقتراع والخريطة الملونة.
لكن من الضروري قانونيا التمييز بين رصد عنصر يحتمل أن يشكل مخالفة وبين الجزم بثبوتها على مترشح بعينه، فتحديد المسؤولية يظل رهينا بالمعاينة والإثبات ونسبة النشر إلى الجهة المسؤولة عنه، وهي مسائل تختص بها السلطات والقضاء، وليست مجرد نتيجة تلقائية لاستخلاص صحفي.
هل يكفي حذف الملصق بعد نشره؟
واستدراك الخطأ وحذف التصميم قد يوقف استمرار تداوله من المصدر، لكنه لا يعني بالضرورة، من الناحية القانونية، محو واقعة النشر السابقة إذا كانت قد ثبتت بالفعل. وهذه النقطة تحديدا قد تجعل النسخة الأولى من الملصق، وتاريخ نشرها والصفحة أو الجهة التي نشرتها، عناصر حاسمة في أي معاينة محتملة.
وللمنازعات الانتخابية المغربية سوابق تؤكد أهمية الإثبات في هذا النوع من الملفات. ففي قرار للمحكمة الدستورية سنة 2022، أثير بالفعل استعمال الأحمر والأخضر في منشورات انتخابية منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن المحكمة لم ترتب الأثر المطلوب على ذلك الادعاء بعدما وقفت، ضمن تعليلها، على إشكالات مرتبطة بإثبات الوقائع ونسبتها إلى المعنية بالأمر.
وهذا يعني أن مجرد وجود لقطة شاشة متداولة لا يحسم وحده المسؤولية القانونية، كما أن حذف المنشور لا يحسم في الاتجاه المعاكس بانتهاء الموضوع. الفيصل يظل في إثبات أصل المادة الدعائية، ومصدر نشرها، وتوقيته، والجهة المسؤولة عنها، ثم التكييف الذي ستمنحه لها السلطات والقضاء المختص.
هل يمكن أن “تعصف” المخالفة باللائحة؟
وهنا أيضا ينبغي التفريق بين العقوبة المقررة للمخالفة وبين إلغاء نتيجة انتخابية. فالقانون ينص صراحة على الغرامة بالنسبة لمخالفة المادة 35، لكن ذلك لا يعني أن كل استعمال للأحمر أو الأخضر يؤدي آليا إلى إسقاط لائحة أو إلغاء انتخابها.
واجتهاد المحكمة الدستورية يظهر أن تقدير أثر المخالفات على النتيجة الانتخابية يرتبط بطبيعة المخالفة وثبوتها ومدى تأثيرها في حرية الناخبين وصدقية الاقتراع. ففي سوابق انتخابية، أخذت المحكمة بعين الاعتبار مدى تأثير المخالفة على النتيجة، ولم تجعل مجرد وجود كل مخالفة سببا آليا لإلغاء الانتخاب.
لذلك، فإن الحديث حاليا عن “إسقاط” لائحة المنصوري سيكون سابقا لأوانه من الناحية القانونية، لكن الحديث عن مخالفة محتملة تستوجب المعاينة والتحقق يجد أساسا واضحا في المقتضيات المنظمة للحملة، خصوصا مع تشديد العقوبات في انتخابات 2026.
“Sponsoring” انتخابي.. ملف آخر أمام المراقبة
ولا يقف الاختبار عند الملصقات. فالفضاء الرقمي تحول بدوره إلى واحدة من أبرز ساحات المخالفات المحتملة، بعدما ظهرت إعلانات سياسية ممولة مرتبطة بأحزاب وفاعلين سياسيين على فيسبوك وإنستغرام، وهو ما أثار بالفعل نقاشا قانونيا خلال الأيام السابقة لانطلاق الحملة.
والمادة 40 من القانون التنظيمي المعدل واضحة في هذا الباب، إذ تعاقب بغرامة تتراوح بين 50 ألفا و100 ألف درهم كل شخص قام بنشر إعلانات سياسية أو منشورات انتخابية مؤدى عنها على منصات أو مواقع إلكترونية أجنبية. وبالتالي فالممنوع ليس مجرد استعمال فيسبوك أو إنستغرام في التواصل السياسي، وإنما أداء مقابل مالي لترويج إعلان سياسي أو منشور انتخابي على منصة أو موقع إلكتروني أجنبي، متى ثبتت العناصر القانونية للمخالفة.
وهو تفصيل مهم، لأن انتخابات 2026 لم تعد تتعامل مع العالم الرقمي باعتباره فضاء خارج الرقابة. بل إن المشرع أدخل شبكات التواصل والمنصات الإلكترونية وأدوات الذكاء الاصطناعي صراحة إلى عدد من المقتضيات الزجرية الجديدة، بما يجعل الأثر الرقمي للمرشحين جزءا من الحملة القابلة للمراقبة والإثبات.
الداخلية أمام امتحان المساواة في تطبيق القانون
والقضية، في النهاية، تتجاوز اسم فاطمة الزهراء المنصوري أو حزب الأصالة والمعاصرة. فالاختبار الحقيقي بالنسبة إلى وزارة الداخلية والسلطات المكلفة بتتبع العملية الانتخابية هو مدى تطبيق القواعد نفسها على الجميع، سواء تعلق الأمر بلائحة تقودها شخصية سياسية وازنة، أو بمرشح في دائرة صغيرة، أو بحزب في الأغلبية، أو بآخر في المعارضة.
فإذا كانت انتخابات 2026 قد جاءت بقواعد أكثر صرامة وعقوبات مالية مرتفعة لمنع بعض الممارسات التي ظلت لسنوات مثار جدل، فإن مصداقية هذه الترسانة لن تقاس بعدد المواد القانونية المنشورة في الجريدة الرسمية، وإنما بسرعة رصد المخالفات ومعاينتها، والتحقق منها، وترتيب الآثار القانونية بشأنها متى ثبتت، دون انتقائية بين مرشح وآخر.
ومع بداية الحملة فقط، تبدو المؤشرات الأولى كافية لفتح هذا النقاش، ملصقات انتخابية تستدرك بعد نشرها، وإعلانات سياسية ممولة على منصات أجنبية يثار بشأنها الجدل، وحملة رقمية تتسع كل ساعة. وبين كل ذلك يبقى السؤال، هل ستتعامل الداخلية مع انتخابات 2026 بمنطق “الحذف بعد الخطأ يكفي”، أم بمنطق أن القانون، متى ثبتت المخالفة، يسري على الجميع؟

