منذ سنة 1993، لم تنفذ الجزائر أي حكم بالإعدام، رغم أن العقوبة لم تختف من تشريعاتها واستمرت محاكمها في النطق بها، غير أن هذا الوضع الذي دام 33 عاما أصبح مرشحا للتغيير، بعدما دخل تعديل قانون العقوبات مساره المؤسساتي لإتاحة التنفيذ الفعلي للعقوبة في جرائم محددة.
ويأتي التحول بعد توجيهات الرئيس عبد المجيد تبون، الصادرة في 30 غشت، بتعديل التشريع الجنائي بما يسمح بتنفيذ حكم الإعدام في حق المتورطين في إشعال الحرائق بصورة متعمدة، قبل أن يتوسع نطاق المشروع ليشمل جرائم اختطاف الأطفال وأعمال التنكيل المرتكبة بحقهم.
من توجيهات تبون إلى طاولة البرلمان
وبعد أقل من أسبوعين على التوجيهات الرئاسية، أعلنت الحكومة الجزائرية، في 9 شتنبر، بدء دراسة مشروع تمهيدي لتعديل قانون العقوبات، قبل أن يصل النص إلى المجلس الشعبي الوطني، حيث جرى عرضه، في 23 شتنبر، أمام لجنة الشؤون القانونية والحريات وحقوق الإنسان، وفق ما أعلنته وكالة الأنباء الجزائرية.
ولا تكمن أهمية التعديل في الإبقاء على عقوبة موجودة أصلا في القانون، وإنما في الانتقال المحتمل إلى تنفيذها على أرض الواقع، إذ تعتمد الجزائر منذ ثلاثة عقود ما يوصف بالوقف الفعلي لتنفيذ الإعدام، دون أن يعني ذلك إلغاء العقوبة من المنظومة الجنائية.
وخلال هذه الفترة، استمر القضاء في إصدار أحكام بالإعدام، وتظهر بيانات منظمة العفو الدولية تسارع أعدادها خلال بعض السنوات الأخيرة، بعدما سجلت حكما واحدا على الأقل سنة 2020 و9 أحكام في 2021، قبل أن تقفز إلى 54 حكما سنة 2022، ثم 38 حكما خلال السنة الموالية.
وتراجع العدد بعد ذلك إلى 8 أحكام خلال سنة 2024، قبل أن يرتفع إلى 11 حكما في 2025، ليصل مجموع الأحكام المسجلة خلال ست سنوات إلى ما لا يقل عن 121 حكما، بينما كان 273 شخصا على الأقل تحت طائلة أحكام الإعدام بحلول نهاية العام الماضي.
منظمات دولية تدخل على خط الجدل
وأمام اقتراب الجزائر من تغيير سياستها العملية تجاه العقوبة، رفعت منظمات حقوقية دولية من حدة تحذيراتها، معتبرة أن استئناف التنفيذ بعد 33 عاما سيشكل تحولا كبيرا مقارنة بالمسار الذي حافظت عليه البلاد منذ بداية تسعينيات القرن الماضي.
ووصفت منظمة العفو الدولية احتمال العودة إلى الإعدامات بأنه “نكوص شديد”، ودعت الجزائر إلى عدم توسيع نطاق الجرائم الخاضعة للعقوبة، والانتقال بدلا من ذلك من الوقف الفعلي القائم حاليا إلى وقف رسمي يمهد لإلغاء عقوبة الإعدام.
واستندت المنظمة في موقفها أيضا إلى تصويت الجزائر باستمرار لصالح قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعية إلى وقف تنفيذ العقوبة، وهو ما يضع السياسة الجديدة أمام مفارقة بين المواقف التي تبنتها الجزائر دوليا والتوجه التشريعي الجاري مناقشته داخليا.
كما دخلت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان والائتلاف العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام وتجمع إنقاذ الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان على خط القضية، محذرة من “تراجع تاريخي” إذا عادت عمليات التنفيذ، ومطالبة بمحاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة من خلال محاكمات عادلة دون اللجوء إلى الإعدام.
اختبار جديد لالتزامات الجزائر الدولية
ولا ينحصر الجدل في الموقف من العقوبة نفسها، إذ تطرح التعديلات المرتقبة أسئلة بشأن مدى انسجامها مع الالتزامات الدولية للجزائر، باعتبارها طرفا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وتشدد لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة على أن الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام لا ينبغي أن تتجه نحو توسيع نطاق الجرائم التي تشملها، كما تربط مفهوم “أشد الجرائم خطورة” بالجرائم التي تتضمن القتل العمد، وهو ما يجعل نطاق التعديلات الجزائرية المرتقبة موضع نقاش حقوقي وقانوني.
في المقابل، تربط السلطات الجزائرية التوجه نحو التشدد بخطورة الحرائق العمدية والجرائم التي تستهدف الأطفال والحاجة إلى توفير عقوبات رادعة، لتصبح البلاد أمام قرار سيحدد مستقبل سياسة استمرت أكثر من ثلاثة عقود: إما الحفاظ على وقف التنفيذ القائم منذ 1993، أو إعادة الإعدام إلى التطبيق الفعلي للمرة الأولى منذ 33 عاما.

