Site icon H-NEWS آش نيوز

رئيس في التسعين.. “عندهم الزهر إلا عقل على مقر الجماعة”

رئيس جماعة 90 سنة

قد يكون العمر مجرد رقم، وقد يحتفظ شخص في التسعين بكامل قدرته على التدبير واتخاذ القرار، لكن انتخاب رئيس يبلغ من العمر 90 سنة على رأس جماعة أولاد عمران بإقليم سيدي بنور أعاد إلى الواجهة سؤالا سياسيا أكبر من سن الرئيس نفسه، أين اختفت كل خطابات الأحزاب عن تشبيب النخب وتجديد الوجوه وفتح المجال أمام الشباب؟

القضية أثارت موجة من التعليقات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليس فقط بسبب سن الرئيس الجديد، وإنما بالنظر إلى السياق الذي جاءت فيه عملية انتخابه، بعدما تولى رئاسة الجماعة خلفا لنجله الذي استقال من منصبه، ثم خاض الانتخابات التشريعية بلون سياسي آخر وتمكن من الفوز بمقعد برلماني.

الرئاسة بين الأب والابن

والمفارقة أن الرئيس الجديد ليس وجها جديدا على الجماعة، بل سبق له أن تولى رئاستها قبل أن يترك الموقع لابنه، ليعود الأب مجددا إلى كرسي الرئاسة بعد انتقال الابن من الجماعة إلى البرلمان.

وبذلك تبدو رئاسة الجماعة وكأنها تدور في مسار مغلق بين الأب والابن؛ الأب يترأس، ثم يأتي الابن، وبعد مغادرة الابن يعود الأب من جديد، في مشهد يطرح السؤال حول قدرة الأحزاب التي منحت التزكيات على إنتاج بدائل سياسية محلية خارج الدائرة العائلية نفسها.

فهل عجزت الأحزاب فعلا عن العثور في المنطقة على كفاءات ووجوه جديدة وشباب حاصلين على شهادات وقادرين على تحمل مسؤولية تدبير الشأن المحلي؟ أم أن منطق الحفاظ على المواقع والتوازنات الانتخابية ما يزال أقوى من كل خطابات تجديد النخب؟

التشبيب في الخطب فقط؟

وقبل كل استحقاق انتخابي، تعود المفردات نفسها إلى واجهة الخطاب الحزبي: تجديد النخب، تمكين الشباب، تخليق الحياة السياسية، فتح المؤسسات أمام الكفاءات ومحاربة العزوف.

لكن حين تأتي لحظة توزيع التزكيات والمواقع، كثيرا ما يصطدم هذا الخطاب بواقع مختلف، حيث تستمر الأسماء نفسها والعائلات نفسها في التنقل بين المسؤوليات الانتخابية، بينما يبقى الشباب الذين التحقوا بالأحزاب أملا في التدرج داخل هياكلها خارج دائرة القرار الحقيقي.

وهنا لا يتعلق النقاش بحرمان شخص من ممارسة السياسة بسبب عمره، فهذا يتعارض أصلا مع جوهر المشاركة الديمقراطية، وإنما بالسؤال عن تجديد العرض السياسي: كيف يمكن لحزب أن يقنع شاب بالانخراط والنضال داخله سنوات طويلة إذا كان سيكتشف في النهاية أن المواقع تنتقل داخل دوائر محدودة، وأحيانا بين أفراد الأسرة نفسها؟

من “الكوطا” إلى توريث الدوائر

ولا تنحصر الظاهرة في جماعة واحدة. فمتابعة الخريطة الانتخابية تكشف عن استمرار حضور الروابط العائلية في عدد من الدوائر، حيث تنتقل مواقع سياسية وانتخابية بين الآباء والأبناء والبنات والأزواج، بما يغذي الانطباع بأن بعض الأحزاب تحولت من مؤسسات لإنتاج النخب إلى شبكات لإعادة إنتاجها داخل الدوائر نفسها.

أما الشباب والنساء، فيجري استحضارهم بكثافة في الخطابات والمؤتمرات والبرامج، بينما قد ينحصر حضورهم الفعلي في آليات “الكوطا” أو الواجهات التنظيمية دون الوصول بالقدر نفسه إلى مراكز صناعة القرار والتزكيات.

والنتيجة أن الأحزاب التي تشتكي من العزوف السياسي تجد نفسها أمام سؤال مسؤوليتها هي أيضا عن إنتاجه، لأن فقدان الثقة لا يولد فقط من ضعف المشاركة، وإنما كذلك من شعور فئات واسعة بأن أبواب الصعود السياسي مغلقة مهما كان حجم انخراطها وكفاءتها.

“عندهم الزهر إلا عقل على مقر الجماعة”

ولم تمر عودة الرئيس التسعيني إلى قيادة جماعة أولاد عمران دون سخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تداول مستخدمون تعليقات لاذعة من قبيل: “عندهم الزهر إلا عقل على مقر الجماعة فين جا”، بينما كتب آخر ساخرا: “ليس به بأس، الرجل في أوج عطائه الفكري والعقلي والجسدي”، في حين اختصر تعليق آخر المشهد بالقول إن “الشباب لا محل له من الإعراب في قاموس الأحزاب”.

ورغم الطابع الساخر لهذه التعليقات، فإن خلفها سؤالا سياسيا جديا يتعلق بمصداقية خطاب التجديد داخل الأحزاب، خصوصا عندما تتحول دعوات التشبيب إلى شعارات انتخابية لا تجد انعكاسها بالضرورة في اختيار المرشحين والمسؤولين.

الأحزاب تصنع أزمة الثقة بأيديها

الأزمة، إذن، ليست في أن يكون الرئيس في الثلاثين أو التسعين، وإنما في الآلية التي تنتج المسؤولين السياسيين، ومدى اعتمادها على الكفاءة والاستحقاق والتنافس الداخلي الحقيقي بدل إعادة تدوير الأشخاص والعائلات والمواقع.

فلا يمكن مطالبة الشباب بالإقبال على السياسة والانخراط في الأحزاب ثم إغلاق مسارات الترقي أمامهم، كما لا يمكن الحديث عن محاربة العزوف بينما تعطي الممارسة الحزبية نفسها الانطباع بأن المقاعد والمواقع تنتقل داخل دوائر محددة يصعب اختراقها.

انتخاب رئيس يبلغ 90 سنة ليس، في حد ذاته، دليلا على فشل التدبير قبل أن يبدأ، لكنه يصبح سياسيا رمزا مثيرا للنقاش حين يوضع أمام خطاب حزبي ظل لسنوات يعد المغاربة بالتشبيب والتجديد.

أما إذا استمرت الأحزاب في رفع شعارات الشباب بيد، وإعادة إنتاج النخب نفسها باليد الأخرى، فقد يصبح السؤال مستقبلا ليس لماذا يعزف الشباب عن السياسة، بل ماذا قدمت لهم الأحزاب أصلا حتى يثقوا بأن لهم مكانا داخلها؟

Exit mobile version