أثارت طريقة تدبير التواصل السياسي خلال مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، تساؤلات لدى متابعين للشأن العام المغربي، في ظل محدودية المعطيات الرسمية بشأن تقدم المفاوضات بين الأحزاب، مقابل تزايد التسريبات والتكهنات المتعلقة بتركيبة الأغلبية المقبلة وتوزيع الحقائب الوزارية والأسماء المرشحة للاستوزار.
ويرى مراقبون أن الإشكال لا يرتبط بطبيعة المفاوضات السياسية، التي تستدعي قدرا من السرية حفاظا على فرص التوافق بين الأطراف المعنية، وإنما بطريقة التواصل مع الرأي العام خلال هذه المرحلة المؤسساتية، حيث يؤدي غياب التوضيحات المنتظمة، بحسب تقديرهم، إلى ترك المجال مفتوحا أمام روايات متباينة وتصريحات فردية قد تقدم أحيانا باعتبارها مؤشرات على نتائج المشاورات.
تسريبات وتصريحات خارج القنوات المؤسساتية
ومنذ تعيين المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الأغلبية الجديدة، ظل التواصل الرسمي بشأن مسار المشاورات محدودا، فيما تحولت اللقاءات الحزبية والتصريحات العابرة لبعض المسؤولين السياسيين إلى مصادر رئيسية للمعلومات المتداولة حول مستقبل التحالفات الحكومية، دون أن تكون جميع هذه المعطيات مدعومة بتأكيدات مؤسساتية واضحة.
ويعتبر متابعون أن هذا الوضع يطرح إشكالا يتعلق بالتمييز بين المواقف الحزبية الفردية والقرارات التي يجري التوافق بشأنها رسميا، خصوصا عندما تتحول تصريحات أدلى بها مسؤولون سياسيون في مناسبات مختلفة إلى مادة للتأويل بشأن توزيع المسؤوليات الحكومية، في وقت لم تعلن فيه نتائج نهائية للمفاوضات.
ولا يعني ذلك، وفق هذا الطرح، ضرورة الكشف عن تفاصيل الاجتماعات المغلقة أو أسماء الوزراء قبل استكمال المشاورات، وإنما اعتماد تواصل مؤسساتي يحدد طبيعة المرحلة التي بلغتها المفاوضات، ويقدم المعلومات التي يمكن الإعلان عنها دون التأثير في سير التفاوض بين الأحزاب.
فرنسا وإسبانيا.. نماذج لتنظيم الاتصال الحكومي
وتبرز في هذا السياق تجارب أوروبية تعتمد هياكل مؤسساتية لتنظيم التواصل الحكومي، من بينها فرنسا، حيث تضطلع مصلحة الإعلام الحكومي “SIG” بمهام مرتبطة بتنسيق الاتصال بين القطاعات الحكومية، وتتبع التغطية الإعلامية وتطورات الرأي العام، فضلا عن المساهمة في إخبار المواطنين بعمل رئيس الحكومة والسلطة التنفيذية.
كما تعتمد الرئاسة الفرنسية قنوات رسمية للإعلان عن تشكيل الحكومات وتركيبتها، من خلال بيانات مؤسساتية تحدد القرارات المتخذة والأسماء المعينة، كما حدث خلال عمليات تشكيل الحكومات سنة 2024، وهو ما يوفر مرجعا رسميا للمعلومات بعد استكمال الإجراءات السياسية والدستورية.
أما في إسبانيا، فتتمحور منظومة التواصل الحكومي حول رئاسة الحكومة وأجهزتها المختصة، ومن بينها أمانة الدولة للاتصال، حيث يجري الإعلان عن القرارات الحكومية عبر قنوات رسمية، إلى جانب تنظيم المؤتمرات الصحافية وتوثيق التصريحات المرتبطة بعمل السلطة التنفيذية.
وشكل إعلان بيدرو سانشيز عن حكومته في نونبر 2023 نموذجا لهذا التنظيم، من خلال تقديم التركيبة الحكومية وأولوياتها في إطار مؤسساتي، مع نشر المعطيات والتصريحات عبر القنوات الرسمية، بما يتيح لوسائل الإعلام والجمهور الرجوع إلى المعلومات الصادرة عن الجهات المخولة.
غياب المعلومة الرسمية يوسع مساحة التأويل
وفي المقابل، يرى محللون أن مرحلة تشكيل الحكومة المغربية تبرز الحاجة إلى تطوير آليات التواصل السياسي، ليس بالضرورة عبر استنساخ التجارب الأوروبية، وإنما من خلال اعتماد تنظيم يتلاءم مع طبيعة المؤسسات الوطنية ويضمن وضوح الرسائل الموجهة إلى المواطنين.
ويعتبر هؤلاء أن غياب صوت تواصلي مركزي خلال المشاورات يسمح بتعدد الروايات بشأن تقدم المفاوضات، ويجعل كل تصريح حزبي أو تسريب إعلامي قابلا لأن يتحول إلى خبر حول التشكيلة الحكومية، حتى عندما يتعلق الأمر بمقترحات أولية أو سيناريوهات لم تحسم بعد.
وتزداد أهمية هذا الجانب في ظل الانتشار السريع للمعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يمكن أن تحظى الأخبار غير المؤكدة بتداول واسع قبل صدور توضيحات رسمية، ما يفرض على الجهات المعنية التفكير في آليات استباقية لتقديم المعلومات وتصحيح المعطيات غير الدقيقة.
المشاورات الحكومية فرصة لتطوير التواصل
ويطرح النقاش الجاري إمكانية اعتماد فريق متخصص في الاتصال السياسي والمؤسساتي، يتولى تنسيق الرسائل الرسمية المتعلقة بمراحل تشكيل الحكومة، ويحدد المعلومات القابلة للنشر، مع احترام سرية المفاوضات والاختصاصات الدستورية للأطراف المشاركة فيها.
ويرى متابعون أن فعالية هذا النموذج لا تقاس بعدد التصريحات أو كثافة الظهور الإعلامي، وإنما بانتظام تقديم المعلومات ووضوح الجهة المخولة بالتواصل، وقدرتها على التفاعل مع استفسارات الصحافة وتوضيح المعطيات التي تثير جدلا لدى الرأي العام.
وتشكل هذه المرحلة، وفق هذا التصور، مناسبة لإعادة النظر في موقع التواصل داخل العمل الحكومي، باعتباره أداة لتعزيز الشفافية والثقة في المؤسسات، وليس مجرد وسيلة للإعلان عن القرارات بعد اتخاذها، خاصة أن تشكيل الحكومة يمثل محطة سياسية تحدد ملامح التدبير التنفيذي خلال المرحلة المقبلة.
وفي انتظار الإعلان الرسمي عن تركيبة الحكومة الجديدة، يبقى النقاش بشأن التواصل السياسي مرتبطا بضرورة تحقيق التوازن بين سرية التفاوض وحق المواطنين في الحصول على معلومات موثوقة، بما يسمح بتقليص مساحة التأويلات ويعزز الطابع المؤسساتي للمشاورات الحكومية.

