يتجه المغرب إلى طرح نموذج جديد للتعاون مع الدول الأوروبية في مجال تدبير الهجرة غير النظامية، يقوم على تجاوز المقاربة التقليدية المرتكزة على ضبط الحدود نحو شراكة أوسع تشمل التنمية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي وتقاسم المسؤوليات، في خطوة تعكس رغبة الرباط في الانتقال من موقع تنفيذ الترتيبات المتفق عليها إلى المساهمة المباشرة في صياغة قواعد التعاون وأولوياته مع الشركاء الأوروبيين.
وقال فؤاد يزوغ، السفير المدير المكلف بالشؤون السياسية الدولية بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، في تصريحات لوكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”، السبت 10 أكتوبر 2026، إن المغرب يطمح إلى أن يصبح أول بلد من الجنوب يقدم إلى دول الشمال تصورا متكاملا لإعادة بناء التعاون في ملف الهجرة، بعدما ظلت المبادرات والمقاربات المنظمة لهذا المجال تصدر أساسا عن الشركاء الأوروبيين.
وثيقة استراتيجية لتجاوز المقاربة الأمنية
ويأتي هذا التوجه عقب الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس، الجمعة، بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية، والذي أعلن خلاله اعتزام المغرب تقديم وثيقة استراتيجية جديدة إلى شركائه، ترتكز على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، بدلا من اختزال التعاون في الإجراءات الأمنية الرامية إلى الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.
واعتبر الملك أن النموذج المعتمد حاليا أصبح متجاوزا، بالنظر إلى استمرار الأزمات المرتبطة بالهجرة وتكرارها، فيما أكد يزوغ أن تعقد الظاهرة وتداخل أبعادها الإنسانية والاقتصادية والأمنية يفرضان التفكير في آليات جديدة للتعاون، دون أن يكشف عن موعد تقديم الوثيقة أو الالتزامات التفصيلية التي ستتضمنها.
وتشير التصريحات المغربية إلى توجه دبلوماسي يرمي إلى إعادة تحديد موقع الرباط داخل المفاوضات مع الشركاء الأوروبيين، من خلال المشاركة في اقتراح أولويات الشراكة وقواعد تنفيذها، بما يتجاوز الدور المرتبط بمراقبة الحدود والتصدي لمحاولات العبور غير النظامي نحو الضفة الشمالية للمتوسط.
العلاقات مع إسبانيا في خلفية المبادرة
ويأتي الإعلان عن هذا التوجه في سياق علاقات مغربية إسبانية شهدت خلال السنوات الأخيرة محطات من التعاون والتوتر المرتبطين بتدبير الحدود والهجرة، خصوصا عقب أحداث العبور الجماعي نحو سبتة في 30 يوليوز، والتي أعادت النقاش بشأن التحديات الإنسانية والأمنية المصاحبة لإدارة تدفقات المهاجرين.
ورغم أن الملك محمد السادس لم يشر مباشرة إلى تلك الأحداث في خطابه، فقد تطرق إلى الصعوبات القانونية والقضائية التي تعترض إعادة بعض المهاجرين والقاصرين، وانتقد توظيف ملف الهجرة في التجاذبات السياسية والإعلامية، مشددا على أن الشراكة بين الدول لا ينبغي أن تخضع لمنطق الضغط أو التهديد أو الابتزاز.
ويتزامن طرح التصور المغربي الجديد مع التحضير لزيارة مرتقبة لملك إسبانيا فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، وهو تزامن يضفي أهمية إضافية على النقاش الدبلوماسي المرتبط بالتعاون الحدودي والهجرة، دون وجود إعلان رسمي يربط المبادرة المغربية مباشرة بهذه الزيارة.
انتظار تفاصيل المقترح وموقف الشركاء الأوروبيين
ولم تعلن السلطات المغربية، إلى حدود التصريحات المتداولة، جدولا زمنيا رسميا للمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي أو الحكومة الإسبانية بشأن النموذج المقترح، كما لم تتضح بعد طبيعة آليات التمويل وتوزيع المسؤوليات والالتزامات المتبادلة، أو المؤشرات التي ستعتمد لتقييم النتائج المرتقبة.
وتتزامن هذه التحركات مع المشاورات الجارية لتشكيل الحكومة المغربية الجديدة، عقب الانتخابات التشريعية التي أجريت في 23 شتنبر الماضي وتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، في سياق سياسي قد يواكب الانتقال من الإعلان عن التصور الاستراتيجي إلى بلورة إجراءات عملية لتنفيذه.
وبين استمرار التزام المغرب بمكافحة الهجرة غير النظامية وسعيه إلى تطوير أسس الشراكة مع أوروبا، يبقى نجاح المبادرة مرتبطا بمدى استعداد الأطراف الأوروبية لمناقشة مقاربة تتقاسم فيها الدول مسؤولية معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للهجرة، إلى جانب التعاون الأمني وحماية الحدود.

