تواجه فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيل الحكومة الجديدة منذ 29 شتنبر الماضي، أول اختبار سياسي ومالي لترجمة الوعود الانتخابية لحزب الأصالة والمعاصرة إلى إجراءات حكومية ملموسة، في ظل اقتراب الموعد القانوني لإيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027 بمجلس النواب، واستمرار المشاورات المتعلقة بتشكيل الأغلبية الحكومية.
وأفادت مصادر متخصصة بأن ضيق الآجال يضع المنصوري أمام تحد مزدوج، يتمثل في تسريع تشكيل حكومة قادرة على تبني مشروع الميزانية والدفاع عنه أمام البرلمان، وفي الوقت نفسه تحديد مدى إمكانية إدراج الالتزامات الانتخابية للحزب ضمن أول قانون مالية في الولاية الجديدة، خصوصا أن جزءا مهما من الوثائق والتصورات المالية أُعد خلال عهد الحكومة السابقة.
وعود انتخابية تنتظر الترجمة المالية
وتشمل أبرز الالتزامات الانتخابية التي قدمها حزب الأصالة والمعاصرة تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، والتدخل لمعالجة ارتفاع الأسعار، وتخفيض الضريبة على الأجر، إلى جانب الرفع من قيمة الدعم الاجتماعي المباشر ليبلغ 1000 درهم على الأقل.
كما تتضمن الوعود رفع معاش الأرملة إلى 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى ابتداء من السنة الثانية للولاية الحكومية، والزيادة في الحد الأدنى لمعاش التقاعد ليصل إلى 3000 درهم، وهي إجراءات تستدعي تعبئة موارد مالية وتعديلات قانونية وتنظيمية بحسب طبيعة كل التزام.
وتطرح هذه التعهدات تساؤلات بشأن الأولويات التي ستعتمدها الحكومة المرتقبة، ومدى قدرتها على الشروع في تنفيذ بعض الإجراءات ابتداء من يناير 2027، خصوصا تلك المرتبطة بالجبايات والتحويلات الاجتماعية والمعاشات.
مشروع ميزانية أعد قبل الانتخابات
وتشير المصادر ذاتها إلى أن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 انطلق قبل الانتخابات التشريعية وتكليف المنصوري بتشكيل الحكومة، ما يجعل رئيسة الحكومة المقبلة أمام اختيارات مالية سبق تحديد جزء من توجهاتها التقنية والاقتصادية.
ففي 22 يوليوز 2026، قدمت وزارة الاقتصاد والمالية أمام لجنتي المالية بالبرلمان عرضا بشأن تنفيذ ميزانية السنة الجارية والإطار العام لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، قبل نشر مذكرة التوجيه المتعلقة بالتحضير للمشروع يوم 12 غشت.
وتواصل المسار بنشر تقرير التنفيذ الميزانياتي والتأطير الاقتصادي متعدد السنوات في 11 شتنبر، ثم وثيقة ميزانية المواطن المرتبطة بالفترة 2027-2029 يوم 22 شتنبر، وهي محطات سبقت نتائج الانتخابات وتكليف المنصوري، وتكشف أن التحضير المالي والإداري للمشروع كان قد بلغ مراحل متقدمة.
هل تستطيع المنصوري تغيير اختيارات سلفها؟
ورغم تقدم إعداد الوثائق المالية، تؤكد المصادر أن هذه المعطيات لا تجعل جميع اختيارات مشروع الميزانية نهائية، باعتبار أن المذكرات التوجيهية والوثائق التحضيرية لا تكتسب وحدها قوة قانون المالية المصادق عليه.
ومن الناحية التقنية، تظل إمكانية مراجعة بعض المقتضيات قائمة، سواء من خلال اقتراح تدابير جبائية جديدة أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العمومي، شريطة احترام المساطر القانونية والتوازنات المالية والالتزامات القائمة للدولة.
غير أن هامش التغيير لا يبقى مفتوحا دون قيود، بالنظر إلى حجم النفقات المستمرة، وفي مقدمتها أجور الموظفين وخدمة الدين والبرامج الاجتماعية والالتزامات متعددة السنوات، وهي اعتمادات لا يمكن اعتبارها موارد متاحة بالكامل لإعادة التوزيع نحو وعود انتخابية جديدة.
20 أكتوبر يضاعف الضغط السياسي
وتنص المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية على إيداع مشروع قانون المالية لدى مكتب مجلس النواب في 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية على أبعد تقدير، قبل دخوله مرحلة الدراسة والتعديل والتصويت وفق المسطرة التشريعية المعمول بها.
ومع اقتراب هذا الموعد، يزداد الضغط على رئيسة الحكومة المكلفة لتوضيح معالم الأغلبية الحكومية التي ستتحمل مسؤولية المشروع، وتحديد ما إذا كانت ستعتمد التصورات التي وضعتها الحكومة السابقة أو ستدخل عليها تعديلات تعكس البرنامج الانتخابي للحزب المتصدر للانتخابات.
وفي المقابل، ينظم الفصل 75 من الدستور حالة عدم التصويت على قانون المالية أو عدم إصداره قبل نهاية السنة المالية، من خلال آلية تسمح بفتح الاعتمادات الضرورية لاستمرار سير المرافق العمومية وفق الشروط الدستورية، دون أن يشكل ذلك بديلا عاديا عن المسطرة التشريعية للميزانية.
وهكذا، تجد المنصوري نفسها أمام أول امتحان فعلي للانتقال من الوعود الانتخابية إلى التدبير الحكومي، في وقت سيكشف فيه مشروع قانون المالية لسنة 2027 مدى استعداد الحكومة الجديدة لترجمة التزاماتها الاجتماعية والجبائية إلى قرارات قابلة للتنفيذ، بدل ترحيلها إلى سنوات لاحقة من الولاية.

