Site icon H-NEWS آش نيوز

1597 شبكة مفككة و988 ضحية.. حصيلة الاتجار بالبشر بالمغرب

حصيلة تهريب المهاجرين

كشفت معطيات رسمية جديدة عن تفكيك 1597 شبكة إجرامية تنشط في تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر بالمغرب خلال خمس سنوات، في حصيلة تعكس حجم التدخلات الأمنية والقضائية لمواجهة هذه الأنشطة، وتسلط الضوء على التحديات المرتبطة بحماية الأشخاص المعرضين للاستغلال وتعزيز فعالية المنظومة الوطنية المكلفة بالوقاية من هذه الجرائم وملاحقة المتورطين فيها.

وجاء الإعلان عن هذه الأرقام، اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026 بالرباط، على لسان هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل ورئيس اللجنة الوطنية لتنسيق إجراءات مكافحة الاتجار بالبشر والوقاية منه، خلال تقديم تقرير وطني يرصد حصيلة الفترة الممتدة بين 2021 و2025، ويستعرض تطور السياسات العمومية والإجراءات القضائية والمؤسساتية المعتمدة لمواجهة الظاهرة.

مئات القضايا ومئات الضحايا خلال خمس سنوات

وبحسب التقرير، سجل المغرب 536 قضية تتعلق بالاتجار بالبشر خلال الفترة المشمولة بالتقييم، وأسفرت الإجراءات القضائية المرتبطة بها عن متابعة 816 شخصا وإدانة 774 منهم، فيما بلغ العدد الإجمالي للضحايا الذين جرى إحصاؤهم 988 ضحية، وهي معطيات تبرز الأبعاد القضائية والإنسانية لهذه الجرائم وما تفرضه من تدخلات تتجاوز الجانب الزجري.

وتطرح هذه الأرقام أهمية التمييز بين تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، باعتبارهما جريمتين مختلفتين من حيث العناصر القانونية وطبيعة الاستغلال، رغم إمكانية تقاطعهما في بعض الحالات. كما أن عدد الشبكات المفككة يشمل المجالين معا، بينما ترتبط أرقام القضايا والمتابعات والإدانات والضحايا المعلنة بجرائم الاتجار بالبشر تحديدا، وفق المعطيات التي قدمتها اللجنة الوطنية.

ويعكس تسجيل مئات الضحايا خلال الفترة المذكورة أهمية تعزيز آليات التعرف المبكر على الأشخاص المعرضين للاستغلال، وتوفير المساعدة والحماية القانونية والاجتماعية لهم، خصوصا أن طبيعة هذه الجرائم قد تجعل اكتشافها وإثباتها أكثر تعقيدا، بالنظر إلى تعدد الأطراف المتورطة فيها واختلاف أشكال الاستغلال والظروف التي يوجد فيها الضحايا.

من التدخل القضائي إلى بناء سياسة وطنية

وأوضح هشام ملاطي أن الفترة الممتدة بين 2021 و2025 شهدت تحولات متواصلة في المنظومة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، بدأت بتقوية البنيات المؤسساتية وتطوير التعاون الدولي التقني خلال سنتي 2021 و2022، قبل أن تعرف مرحلة مفصلية تمثلت في اعتماد الخطة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر والوقاية منه للفترة 2023-2030.

وشملت هذه المرحلة كذلك اعتماد المخطط الاستراتيجي لتنزيل الخطة الوطنية خلال الفترة 2023-2026، بما يعكس الانتقال نحو مقاربة مؤسساتية تسعى إلى الجمع بين الوقاية والمتابعة القضائية وحماية الضحايا وتعزيز التعاون الدولي، بدل التعامل مع الظاهرة من خلال إجراءات أمنية وقضائية منفصلة عن بقية الجوانب الاجتماعية والحقوقية.

وأكد المسؤول أن تعدد أبعاد جريمة الاتجار بالبشر وتشابك مراحلها يفرضان استجابة متكاملة بين مختلف المؤسسات، معتبرا أن أي تقدم يتحقق في مجال الوقاية أو التكوين أو الحماية يمكن أن ينعكس إيجابا على بقية مجالات المكافحة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتبادل المعلومات وتحسين قدرات المتدخلين في التعرف على الجرائم وضحاياها.

حماية الضحايا وتكوين القضاة ضمن الأولويات

وفي هذا السياق، أكدت عائشة إكليل، القاضية الملحقة برئاسة النيابة العامة ورئيسة وحدة مكافحة الاتجار بالبشر، أن رئاسة النيابة العامة تعمل على تعزيز قدرات القضاة المكلفين بهذه القضايا، من خلال برامج تكوينية متخصصة وزيارات ميدانية إلى دول تمتلك تجارب في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر وحماية الأشخاص المتضررين من أنشطة الاستغلال.

وكشفت إكليل أن العمل جار لإعداد دليل عملي حول جريمة الاتجار بالبشر، يرتقب صدوره قريبا، لينضاف إلى دليل سابق يتعلق بمؤشرات التعرف على الأطفال. وتبرز أهمية هذه الأدلة في توفير أدوات عملية تساعد المتدخلين على تحديد الحالات المحتملة للاتجار بالبشر، والتمييز بينها وبين جرائم أخرى، بما يدعم فعالية البحث والمتابعة القضائية.

وتطرح حماية الضحايا تحديا أساسيا في مواجهة هذه الظاهرة، إذ لا يكفي تفكيك الشبكات الإجرامية أو إصدار الأحكام القضائية دون ضمان آليات فعالة للتعرف على المتضررين وتوجيههم نحو خدمات المساعدة والحماية. كما تبرز الحاجة إلى تطوير التنسيق بين الجهات القضائية والأمنية والاجتماعية، بما يراعي خصوصيات الضحايا ويحد من مخاطر تعرضهم للاستغلال مجددا.

مكافحة الاتجار بالبشر ضمن الالتزامات الدولية

من جهته، اعتبر عبد الواحد الأثير، ممثل المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، أن التقرير الوطني يشكل محطة مهمة في توثيق الجهود التي يبذلها المغرب لمكافحة الاتجار بالبشر، مؤكدا أن الإجراءات المعتمدة تندرج ضمن الوفاء بالالتزامات الدولية للمملكة وتعزيز منظومة حماية حقوق الإنسان.

ويستند إعداد التقرير إلى الاختصاصات المسندة للجنة الوطنية بموجب المادة السابعة من القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر، ولا سيما تتبع وتقييم تنفيذ السياسة العمومية وخطة العمل الوطنية. كما يأتي في إطار الالتزامات المرتبطة ببروتوكول باليرمو واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية وآليات استعراض تنفيذها.

وتكتسب هذه المرجعيات أهمية بالنظر إلى الطابع العابر للحدود الذي قد تتخذه بعض شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وما يفرضه ذلك من تعاون قضائي وأمني وتقني بين الدول، إلى جانب تبادل الخبرات وتطوير أدوات الوقاية والتعرف على الضحايا، في إطار احترام الضمانات القانونية والحقوق الأساسية للأشخاص المعنيين.

حصيلة رسمية وتحديات مستمرة

ويخصص التقرير، الممتد على 142 صفحة، خمسة محاور أساسية للوقاية والتحسيس والتوعية، والمتابعة والزجر القضائي، وحماية الضحايا، والشراكات والتعاون الدولي، والتكوين وتعزيز القدرات، فضلا عن محور تمهيدي حول الإطار القانوني والمؤسساتي وملحق إحصائي يقدم المعطيات المرتبطة بالحصيلة الوطنية.

وتؤكد الأرقام المعلنة أهمية التدخلات التي باشرتها السلطات خلال السنوات الخمس الماضية، لكنها تبرز أيضا ضرورة مواصلة تطوير أدوات الرصد والكشف عن الجرائم، وتحسين آليات حماية الضحايا، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، حتى تنعكس الجهود القضائية والأمنية على الحد من الاستغلال وضمان حقوق الأشخاص المتضررين.

ويبقى تقييم فعالية السياسة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر مرتبطا ليس فقط بعدد الشبكات المفككة والأحكام الصادرة، بل أيضا بمدى قدرة المؤسسات على الوقاية من الجريمة والتعرف على الضحايا في الوقت المناسب، وتوفير الحماية والمساعدة لهم، والحد من الظروف التي تستغلها الشبكات الإجرامية في ممارسة أنشطتها.

Exit mobile version