قدمت فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة، الخطوط العريضة للبرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، الذي يتضمن حزمة من الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، تروم تحسين ظروف عيش المواطنين، وتعزيز فرص الشغل، وتطوير الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق المجالية، إلى جانب تقوية تنافسية الاقتصاد الوطني وضمان السيادة الاستراتيجية للمملكة.
ويرتكز البرنامج على سبع أولويات رئيسية، تشمل توطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات، ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية الوطنية وتماسك المجتمع، وترسيخ الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل، وتأمين السيادة الاستراتيجية، وبناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموحات الاجتماعية والتنموية.
سبع أولويات لتدبير المرحلة المقبلة
أكد الخطاب أن البرنامج الحكومي يستند إلى المكتسبات الدستورية والإصلاحات التي عرفها المغرب، مع التركيز على الانتقال من توسيع نطاق البرامج الاجتماعية والاستثمارات العمومية إلى تحسين جودتها وقياس أثرها المباشر على حياة المواطنين.
ويضع البرنامج القدرة الشرائية والتشغيل وجودة الخدمات الصحية والتعليمية والعدالة المجالية في صدارة الأولويات، مع الالتزام بتحويل التعهدات الانتخابية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، في إطار احترام التوازنات المالية وتعزيز التعاون بين الحكومة والبرلمان وباقي الفاعلين.
كما يشدد على ضرورة تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، والاستفادة من موقع المغرب الجغرافي ومؤهلاته الصناعية والبنيات التحتية التي يتوفر عليها لاستقطاب استثمارات جديدة وتوسيع الصادرات.
محاربة الفساد والريع وإصلاح منظومة العدالة
في الجانب المؤسساتي، يتعهد البرنامج بتحديث قطاع العدالة وتعزيز الولوج المنصف إلى القضاء، وترسيخ الأمن القانوني، وتوسيع المشاركة المواطنة، إلى جانب دعم حقوق الإنسان وتمكين المرأة اقتصاديا واجتماعيا، ومحاربة العنف ضدها وتعزيز حضورها في مراكز القرار.
كما يتضمن البرنامج إجراءات لمحاربة الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، إلى جانب التصدي للاحتكار والممارسات التي تضر بالمنافسة.
وفي ما يتعلق بالصفقات العمومية، يقترح البرنامج إلزام أصحاب الصفقات بتخصيص 30 في المائة من قيمتها للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، بهدف دعم النسيج المقاولاتي الوطني وتوسيع مساهمته في التنمية الاقتصادية.
وعلى مستوى الجهوية المتقدمة، يلتزم البرنامج برفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027، مع تعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات، وربطها بأهداف واضحة في مجالات التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق المجالية.
دعم اجتماعي يصل إلى 1000 درهم
تحتل الحماية الاجتماعية وتحسين مستوى العيش مكانة بارزة ضمن البرنامج الحكومي، الذي يقترح إعادة استهداف الدعم الاجتماعي المباشر، مع رفع قيمته تدريجيا من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، وفق ما ورد في النص المقدم.
ويتضمن البرنامج أيضا إقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل فاتورة الكهرباء الشهرية بالنسبة إلى الأسر المستحقة التي لا تتجاوز فاتورة استهلاكها 100 درهم في المسكن الرئيسي، دون الحاجة إلى تقديم طلب ورقي.
كما يلتزم بإصلاح تدريجي للضريبة على الدخل بهدف الرفع من الدخل الصافي للأجراء، إلى جانب إحداث منصات وشركات جهوية لتجميع وتسويق المنتجات الفلاحية، وإصلاح مسالك توزيع اللحوم والأسماك، بما يساهم في تحسين التموين والحد من الاختلالات التي تؤثر على الأسعار.
رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم
في ما يتعلق بالحماية الاجتماعية للمتقاعدين، يتضمن البرنامج التزاما بالرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا بمختلف أنظمة التقاعد.
كما يقترح تمكين الأرملة من معاش يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، عوضا عن نسبة 50 في المائة المشار إليها في النص، في خطوة تستهدف تعزيز الحماية الاجتماعية لهذه الفئة.
وفي القطاع الصحي، يركز البرنامج على معالجة الخصاص في العرض الصحي بمختلف المجالات الترابية، وتعميم خدمات المساعدة الطبية المستعجلة، وإرساء منظومة معلوماتية صحية موحدة، بما يهدف إلى تحسين جودة الخدمات وتسهيل تتبع المسارات العلاجية.
يشكل إصلاح التعليم أحد المحاور الأساسية للبرنامج، الذي يستهدف رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل في أفق سنة 2031، بالاعتماد على نموذج مدارس الريادة.
كما يحدد البرنامج سنة 2030 موعدا لتحقيق هدف “صفر انقطاع عن الدراسة”، من خلال تعزيز مواكبة التلاميذ وتحسين ظروف التمدرس والحد من العوامل التي تؤدي إلى مغادرة المؤسسات التعليمية قبل استكمال المسار الدراسي.
وتندرج هذه الأهداف ضمن توجه يرمي إلى تطوير الرأسمال البشري وتحسين جودة التعليم، باعتباره رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
برنامج وطني لتكوين 100 ألف شاب سنويا
خصص البرنامج محورا مستقلا لإدماج الشباب في الحياة الاقتصادية والمهنية، من خلال إطلاق برنامج وطني ابتداء من سنة 2027، يستهدف تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات وسوق الشغل.
كما يهدف إلى تمكين 100 ألف شاب سنويا من الاستفادة من أول تجربة مهنية، مع رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا.
ويتضمن البرنامج أيضا مواكبة 60 ألف مقاولة، وتفعيل “جواز الحركة المهنية” لتسهيل تنقل العاملين خارج مناطق إقامتهم، مع توفير مساكن بأسعار مناسبة، بهدف إزالة بعض العوائق التي تحول دون الولوج إلى فرص الشغل.
في مجال السكن والتعمير، يقترح البرنامج إطلاق برنامج للسكن القروي يستهدف توفير 100 ألف مسكن خلال الولاية الحكومية، مع تخصيص دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسر المؤهلة، إلى جانب المواكبة التقنية المجانية.
كما يتعهد بإخراج قانون خاص بالتعمير في الوسط القروي، يرمي إلى تبسيط المساطر وتسوية وضعية المباني القائمة والسليمة، بما يساهم في تحسين ظروف السكن وتسهيل الولوج إلى الخدمات الأساسية.
ويأتي هذا التوجه في سياق تقليص الفوارق بين المجالات الحضرية والقروية، وتحسين شروط الاستقرار والعيش الكريم في المناطق التي تواجه تحديات مرتبطة بالتجهيزات والبنيات الأساسية.
يولي البرنامج أهمية خاصة للأمن المائي والطاقي والغذائي، في ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وتزايد الضغط على الموارد الطبيعية.
وفي المجال الطاقي، يستهدف رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من المزيج الطاقي في أفق سنة 2030، فيما يطمح إلى تسريع مشاريع تحلية مياه البحر لتوفير 1.8 مليار متر مكعب من المياه بحلول سنة 2031.
كما يتضمن إعداد مخطط وطني للماء لتوجيه السياسة المائية على المدى الطويل، إلى جانب رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة خلال الولاية، وتأمين المخزونات الغذائية، وتسهيل استفادة مربي الماشية من السلالات عالية الإنتاجية.
وعلى المستوى الرقمي، يقترح البرنامج إحداث آلية وطنية مندمجة للأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي الآمن، فضلا عن توفير الشروط اللازمة لبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية، وتكوين أسطول بحري تجاري وطني.
نمو اقتصادي بنسبة 5 في المائة وخفض التضخم إلى 2 في المائة
اقتصاديا، يحدد البرنامج مجموعة من الأهداف للفترة الممتدة من 2026 إلى 2031، أبرزها تحقيق متوسط نمو اقتصادي سنوي بنسبة 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، وحصر التضخم في حدود 2 في المائة سنويا.
كما يستهدف ضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ووضع المديونية العمومية في مسار تنازلي لتبلغ حوالي 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031.
ويراهن البرنامج على رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني، في إطار توجه يرمي إلى تعزيز دوره في خلق الثروة وفرص الشغل، وتحسين جاذبية الاقتصاد المغربي للاستثمارات الوطنية والأجنبية.
في القطاع السياحي، يتضمن البرنامج إطلاق خارطة طريق للفترة 2027-2030، تستهدف استقبال 26 مليون سائح بحلول سنة 2030، بما يعزز مساهمة السياحة في النمو الاقتصادي وتوفير فرص الشغل.
كما يشمل التوجه الاقتصادي إعادة هيكلة المحفظة العمومية، وتوسيع الوعاء الضريبي، وتحسين التنسيق في الإنفاق العمومي، بهدف رفع مردودية الموارد المتاحة وضمان تمويل الأولويات الاجتماعية والاستراتيجية.
الصحراء المغربية والقضية الفلسطينية ضمن الثوابت الوطنية
على المستوى الدبلوماسي، يؤكد البرنامج استمرار الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة وسيادتها على الصحراء المغربية، وحشد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، مع تسريع تنمية الأقاليم الجنوبية وتعزيز دورها كبوابة نحو العمق الإفريقي والمجال الأطلسي.
كما يجدد التأكيد على موقف المغرب الثابت من القضية الفلسطينية والقدس الشريف، والدفاع عن تسوية سلمية قائمة على حل الدولتين، بما يضمن تحقيق سلام عادل ودائم.
ويشدد البرنامج كذلك على صيانة الهوية الوطنية وتماسك المجتمع، من خلال مواصلة إصلاح مدونة الأسرة، وتعزيز حماية الطفولة والشباب والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة، إلى جانب تخصيص غلاف مالي قدره مليارا درهم لدعم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وإدماجها في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام.
الحكومة تتعهد بربط المسؤولية بالنتائج
في ختام الخطاب، شددت رئيسة الحكومة، وفق النص المقدم، على أن تنفيذ البرنامج يمثل مسؤولية حكومية تخضع لرقابة البرلمان وتقييمه، مع التأكيد على الانفتاح على المعارضة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين والمجتمع المدني والإعلام والكفاءات الوطنية.
ويراهن البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 على تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، مع جعل التشغيل وجودة الخدمات العمومية والقدرة الشرائية والسيادة الاستراتيجية معايير أساسية لتقييم حصيلة العمل الحكومي خلال السنوات الخمس المقبلة.

