تدخل فرنسا نهاية أسبوع جديدة تحت ضغط الاحتجاجات الاجتماعية والتوتر السياسي، بعدما أعلنت السلطات تعبئة أمنية واسعة استعدادا لمظاهرات اليوم، السبت 24 أكتوبر الجاري، في وقت يسعى فيه الرئيس إيمانويل ماكرون إلى احتواء أزمة مستمرة منذ أكثر من شهر عبر فتح قنوات الحوار مع المنظمات الطلابية، دون التخلي عن المقاربة الأمنية المشددة التي اعتمدتها حكومته عقب أعمال العنف الأخيرة.
ويأتي هذا التصعيد في ظرفية سياسية دقيقة، قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، وسط تقدم اليمين المتطرف في استطلاعات نوايا التصويت، وتصاعد الانتقادات الموجهة إلى السلطة التنفيذية بشأن تدبير المطالب الاجتماعية وتراجع القدرة الشرائية.
واستقبل ماكرون، الجمعة، ممثلين عن المنظمات الطلابية بقصر الإليزي، للمرة الأولى منذ بداية موجة الاحتجاجات، في محاولة لإظهار استعداد الرئاسة للاستماع إلى المطالب المرتبطة بالتعليم والأجور والخدمات العمومية والظروف المعيشية. ومن المنتظر أن يواصل رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو هذا المسار باجتماع مماثل يوم الاثنين المقبل، غير أن المبادرة لم تنجح حتى الآن في تبديد الشكوك داخل التنظيمات الطلابية، التي تنتظر إجراءات ملموسة تتجاوز الاستماع إلى المطالب والتعهد بدراستها.
الطلاب يشككون في الحوار وماكرون يتمسك بالحزم
وفي هذا السياق، أوضح ناتانايل كومباري، رئيس حركة “التجدد الطلابي” والناشط في حزب “النهضة” الرئاسي، أن ممثلي الطلاب سيجددون مطالبهم السابقة خلال اللقاءات المرتقبة، بينما عبر بيار سورزا، رئيس منظمة “طلاب الثانويات”، عن تشككه في جدوى المشاورات، معتبرا أن الرئيس قد يبدي تفهما لمطالب المحتجين دون أن يترجم ذلك إلى إجراءات عملية. ويأتي هذا الموقف رغم إعلان الحكومة استعدادها لدراسة الشكاوى التي توصلت بها عبر منصة إلكترونية أطلقتها في مطلع أكتوبر، في خطوة لم تكن كافية، وفق المنتقدين، لمعالجة أسباب الاحتقان المتراكم.
وبينما تحاول الرئاسة فتح مسار للحوار، يترأس ماكرون اجتماعا لمجلس الدفاع للنظر في تعزيز الإجراءات الأمنية، بعد موجة العنف التي شهدتها البلاد يوم 17 أكتوبر، وشملت أعمال نهب وتخريب في عدة مدن. وكانت مدينة ليموج من أبرز المناطق المتضررة، بعدما تعرض مقر بلديتها التاريخي للاقتحام والإحراق، ما دفع السلطات إلى فرض تدابير استثنائية في عدد من المناطق، بينها حظر التجول وتقييد المظاهرات، وسط جدل متزايد بشأن الحدود الفاصلة بين حماية النظام العام وضمان الحق في الاحتجاج.
مدرعات وخراطيم مياه لمواجهة احتجاجات السبت
وكشف وزير الداخلية لوران نونييز عن خطة أمنية تقوم على نشر 70 ألف عنصر من قوات الشرطة والدرك، بزيادة تقارب 20 في المائة مقارنة بالأسبوع الماضي، مع الاستعانة بوحدات خاصة وعناصر من مختلف المقاطعات. وتشمل التعبئة حوالي 20 آلية مدرعة من طراز “سنتور” تابعة للدرك، إلى جانب 15 مركبة مجهزة بخراطيم المياه، في محاولة لمنع تكرار مشاهد التخريب والنهب التي رافقت الاحتجاجات السابقة، خصوصا في المراكز الحضرية والمناطق التجارية.
واتهم نونييز مجموعات من اليسار المتطرف والتيارات الراديكالية بنشر دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتحريض على العنف خلال مظاهرات السبت، فيما شدد ماكرون على ضرورة مواجهة ما وصفه بالأعمال الإجرامية بأقصى درجات الحزم، متهما مجموعات من اليسار المتطرف بمحاولة “إسقاط الجمهورية”. وفي المقابل، رفض حزب “فرنسا الأبية”، بقيادة جان لوك ميلانشون، هذه المقاربة، واعتبرها “هروبا إلى الأمام سلطويا”، محذرا من أن تؤدي الإجراءات الاستثنائية إلى المساس بالحريات العامة وتقييد الحق في التظاهر.
وبحسب الأرقام التي أعلنها وزير العدل جيرالد دارمانان، فقد أودع 217 شخصا السجن من أصل حوالي 2700 موقوف على خلفية أعمال العنف والنهب، التي طالت نحو ثلاثة آلاف متجر. وأعلنت السلطات في الوقت نفسه حظر تجمعات مرتقبة في ليون ومرسيليا، مع إمكانية الطعن في هذه القرارات أمام المحاكم الإدارية، بينما سمحت بتنظيم مظاهرة واحدة فقط في باريس، ودعت البلدية السكان إلى توخي الحذر، في حين نصحت الشرطة التجار باتخاذ تدابير إضافية لحماية محلاتهم، بما في ذلك الاستعانة بشركات أمنية خاصة.
مؤتمر اليمين المتطرف يزيد حدة الاستقطاب
وتتزامن احتجاجات السبت مع تنظيم حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف مؤتمرا بمدينة أورليان يومي السبت والأحد، وهو ما يثير مخاوف من مواجهات سياسية في ظل توقع مشاركة ما بين 20 و30 ألف شخص في تحركات مناهضة للحزب. ومن المرتقب أن تضم هذه التعبئة شخصيات سياسية ونقابية، بينها الأمين العام للحزب الاشتراكي أوليفييه فور، والأمينة العامة للكونفدرالية العامة للعمل صوفي بينيه، فيما طالب لوي أليو، نائب رئيس “التجمع الوطني”، السلطات بضمان أمن المؤتمر، في ظل ارتفاع منسوب التوتر بين التيارات السياسية الفرنسية.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى تحركات الرئيس الفرنسي الخارجية، بعدما أعلنت أوساط الإليزيه تأجيل زيارة رسمية كانت مقررة إلى نيجيريا والسنغال خلال الفترة من 28 إلى 31 أكتوبر الجاري، في مؤشر على انشغال الرئاسة بالتطورات الداخلية. وفي المقابل، يتوجه رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إلى مدينة ليموج، التي شهدت أعمال عنف واسعة خلال احتجاجات الأسبوع الماضي، في محاولة لإبراز حضور الدولة في المناطق المتضررة وإظهار استمرار متابعة الحكومة لتداعيات الأحداث.
الأسواق المالية تدخل على خط الأزمة
ولا تقتصر الضغوط التي تواجه حكومة ماكرون على الاحتجاجات والتوتر السياسي، بل تمتد إلى الوضع الاقتصادي والمالي، في ظل تزايد الانتقادات المرتبطة بضعف القدرة الشرائية ومستويات الأجور وتدهور بعض الخدمات العمومية. وتطالب قوى يسارية بإجراءات اجتماعية أكثر جرأة، بينما تواجه الحكومة صعوبات في تمويل التزامات إضافية بسبب ارتفاع الدين العام والقيود المرتبطة بإعداد الميزانية المقبلة، ما يجعل الاستجابة للمطالب الاجتماعية أكثر تعقيدا في ظرفية تتسم بتزايد الضغوط على المالية العمومية.
وفي الأسواق المالية، تشير المعطيات المتداولة إلى تجاوز عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات مستوى 5 في المائة، للمرة الأولى منذ سنة 2002، وسط مخاوف المستثمرين من استمرار تدهور المؤشرات المالية. وتتزامن هذه التطورات مع ترقب قرار وكالة “موديز” بشأن التصنيف الائتماني لفرنسا، بعدما رجحت توقعات اقتصادية احتمال خفضه، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الاقتراض وتضييق هامش المناورة أمام الحكومة، في وقت تبدو فيه الأزمة الفرنسية مرشحة لمزيد من التعقيد بين ضغوط الشارع وحسابات الانتخابات والتحديات الاقتصادية.
وتضع هذه التطورات ماكرون وحكومته أمام اختبار مزدوج، يتمثل في منع تجدد أعمال العنف خلال احتجاجات السبت، وتقديم استجابة سياسية واجتماعية قادرة على تخفيف الاحتقان. وبينما تراهن السلطات على تعبئة أمنية غير مسبوقة وحوار مع المنظمات الطلابية، يبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة هذه المقاربة على تهدئة الشارع، في ظل استمرار المطالب الاجتماعية وتصاعد الاستقطاب السياسي وتزايد المخاوف من انعكاسات الأزمة على الاقتصاد الفرنسي.

