يتوقع صندوق النقد الدولي أن يسجل الاقتصاد المغربي تباطؤا في وتيرة النمو خلال سنتي 2026 و2027، بعدما خفض تقديراته الخاصة بالسنة الجارية إلى 4.5 في المائة، مقابل 4.9 في المائة المسجلة خلال سنة 2025، في مراجعة تعكس تنامي المخاطر المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية واستمرار التوترات الجيوسياسية التي تؤثر في حركة التجارة والأسواق الدولية.
وكشف تقرير “الآفاق الاقتصادية الإقليمية”، الصادر عن صندوق النقد الدولي بتاريخ 22 أكتوبر 2026، أن توقعات نمو الاقتصاد المغربي خلال السنة الجارية خضعت لمراجعة نحو الانخفاض بمقدار 0.4 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات أبريل، فيما يرجح الصندوق تراجع معدل النمو إلى 4.2 في المائة خلال سنة 2027، ما يشير إلى استمرار فقدان الزخم الاقتصادي رغم وجود عوامل داخلية تساهم في دعم النشاط والاستثمار.
فاتورة الطاقة تضع الاقتصاد أمام ضغوط إضافية
ويربط صندوق النقد الدولي هذه التوقعات بالتحديات التي تواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة، ومنها المغرب، في ظل ارتفاع الأسعار الدولية للنفط والوقود والمواد الأساسية، وما يترتب عن ذلك من زيادة في تكاليف الاستيراد وتدهور محتمل لشروط التبادل التجاري. كما أن استمرار هذه الضغوط قد ينعكس على المالية العمومية، بالنظر إلى الحاجة إلى تدبير التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لارتفاع الأسعار، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمواد ذات التأثير المباشر على نفقات الأسر والأنشطة الإنتاجية.
ويبرز هذا الوضع حساسية الاقتصاد المغربي تجاه تقلبات الأسواق الخارجية، إذ يمكن لارتفاع تكاليف الطاقة أن يؤثر في عدد من القطاعات الاقتصادية عبر زيادة نفقات النقل والإنتاج والخدمات، بينما قد يؤدي استمرار غلاء المواد الغذائية والأسمدة إلى ضغوط إضافية على الأسعار. وتظل حدة هذه الانعكاسات مرتبطة بمدى استمرار الارتفاعات الدولية وقدرة السياسات الاقتصادية على التخفيف من آثارها.
السياحة والاستثمارات تدعمان النشاط الاقتصادي
ورغم المراجعة السلبية للتوقعات، يشير التقرير إلى استمرار وجود عوامل تدعم الاقتصاد المغربي، في مقدمتها صمود الطلب الداخلي وانتعاش النشاط السياحي، إلى جانب المشاريع الكبرى للبنية التحتية التي تساهم في تحريك الاستثمار والطلب على الخدمات والأنشطة المرتبطة بالأشغال والتجهيز.
وتكتسي هذه المحركات أهمية في ظل تباطؤ النمو المتوقع، لأنها تتيح للاقتصاد الحفاظ على مستوى من النشاط رغم الضغوط الخارجية، غير أن استمرار مساهمتها الإيجابية لا يلغي المخاطر المرتبطة بارتفاع كلفة الواردات أو احتمال تجدد التضخم، خصوصا إذا استمرت الاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات أسعار السلع لفترة أطول.
التضخم والمالية العمومية أمام اختبار جديد
وحذر صندوق النقد الدولي من أن ارتفاع أسعار الأسمدة والمواد الغذائية، إلى جانب الطاقة، قد يضاعف الضغوط التضخمية في المنطقة، ويدفع الحكومات المستوردة للمحروقات إلى تحمل تكاليف إضافية لحماية القدرة الشرائية، وهو ما قد يضيق هامش التدخل المالي المتاح لها في ظل الحاجة إلى الحفاظ على التوازنات الاقتصادية.
كما أبرز التقرير اختلاف التأثيرات بين الاقتصادات الإقليمية، إذ قد تستفيد الدول المصدرة للمحروقات من ارتفاع أسعار الطاقة عبر زيادة عائداتها، بينما تواجه البلدان المستوردة، ومن ضمنها المغرب، ارتفاعا في فاتورة الواردات وما يصاحبها من تحديات تتعلق بالميزانية والأسعار والتوازنات الخارجية.
وتعكس التوقعات الجديدة لصندوق النقد الدولي استمرار التحدي المتمثل في تحقيق نمو اقتصادي مستدام وسط بيئة دولية تتسم بعدم اليقين، إذ ينتظر أن ينتقل معدل النمو المغربي من 4.9 في المائة سنة 2025 إلى 4.5 في المائة سنة 2026، قبل أن يتراجع إلى 4.2 في المائة سنة 2027. وبين الضغوط الخارجية والعوامل الداخلية الداعمة للنشاط، يبقى مسار الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة مرتبطا بتطور أسعار الطاقة والسلع، واستمرار دينامية السياحة والطلب الداخلي والاستثمار.

