دخلت الجزائر مرحلة جديدة في سياستها العسكرية تجاه منطقة الساحل، عقب موافقة غرفتي البرلمان، الأحد 25 أكتوبر 2026، على طلب الرئيس عبد المجيد تبون إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، في خطوة ترتبط رسميا بحماية المصالح الطاقية الجزائرية وتنفيذ اتفاق ثنائي بين البلدين. وجاءت المصادقة في جلسات مغلقة، وسط تساؤلات بشأن حجم القوة المزمع نشرها، والموقع الذي ستتمركز فيه، والمدة المحددة لمهمتها، وطبيعة التهديدات التي قد تواجهها في منطقة تتسم بتعقيد الوضع الأمني وتعدد الجماعات المسلحة وتغير التحالفات السياسية والعسكرية.
وصوت مجلس الأمة بالإجماع على الإخطار الرئاسي، بواقع 148 صوتا مؤيدا، منها 131 لعضو حاضر و17 بالوكالة، قبل أن يعلن المجلس الشعبي الوطني موافقته على الخطوة وفق المسطرة الدستورية. وقدمت السلطات الجزائرية القرار باعتباره إجراء لحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في النيجر، خصوصا المشاريع المرتبطة بقطاع المحروقات، بينما يفتح توسيع الحضور العسكري خارج الحدود نقاشا بشأن قدرة الجزائر على المحافظة على الطابع المحدود للمهمة، وتجنب الانخراط في مواجهات قد تتجاوز أهدافها المعلنة.
سوناطراك والرهان على النفوذ في الساحل
وتبرز استثمارات شركة “سوناطراك” في النيجر ضمن المبررات الاقتصادية للقرار، في ظل أنشطة التنقيب النفطي التي تنفذها الشركة في منطقة كفرا شمال البلاد، إلى جانب التعاون الطاقي المرتبط بمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء. ويمنح هذا الحضور الاقتصادي للجزائر مصالح مباشرة في استقرار المناطق التي تحتضن مشاريعها، غير أن توفير الحماية العسكرية لهذه المصالح يختلف عن إجراءات التأمين التقليدية، بالنظر إلى ما قد يستلزمه من قواعد انتشار ووسائل إمداد وتنسيق عملياتي مع القوات النيجيرية.
ويأتي التحرك في مرحلة تشهد فيها العلاقات بين الجزائر ونيامي تقاربا بعد فترات من التوتر الدبلوماسي، في وقت تتنافس فيه قوى إقليمية ودولية على توسيع حضورها داخل الساحل. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة القرار باعتباره جزءا من محاولة الجزائر تعزيز تعاونها الأمني والاقتصادي مع النيجر، إلى جانب حماية استثماراتها، غير أن تحديد الأهداف السياسية الفعلية للانتشار يظل مرتبطا بالاتفاقات الرسمية وبالقرارات العملياتية التي لم تعلن جميع تفاصيلها.
قاعدة ماداما واحتمالات اتساع المهمة
وتشير تقارير إعلامية إلى احتمال تمركز الوحدات الجزائرية في منطقة “ماداما” شمال النيجر، قرب الحدود الليبية، وهي منطقة تكتسب أهمية استراتيجية بسبب موقعها على امتداد مسارات صحراوية واسعة وحساسيتها الأمنية. وإذا جرى تنفيذ الانتشار في هذا الموقع، فقد تواجه القوات تحديات تتعلق بتأمين خطوط الإمداد ومراقبة محيط المنشآت والتنسيق مع السلطات المحلية، في بيئة تنشط فيها جماعات مسلحة وشبكات عابرة للحدود.
وتتمثل أبرز المخاطر المحتملة في انتقال المهمة من حماية مواقع اقتصادية محددة إلى التزام أمني أوسع، خصوصا إذا تعرضت القوات أو المنشآت التي تحرسها لاعتداءات تستدعي ردا عسكريا أو تعزيزات إضافية. كما أن أي انتشار طويل الأمد يحتاج إلى موارد لوجستية ومالية وتفاهمات سياسية واضحة مع الدولة المضيفة، فضلا عن تحديد المسؤوليات في حال تغير الوضع الأمني أو السياسي داخل النيجر.
من حرب الرمال إلى أمغالا.. ذاكرة المواجهات العسكرية
ويعيد القرار الحالي إلى الواجهة تاريخ مشاركات الجيش الجزائري في عمليات عسكرية خارج أراضي البلاد، سواء في إطار دعم دول أخرى أو خلال مواجهات مباشرة مع جيوش مجاورة. ففي يونيو 1967، قدمت الجزائر دعما عسكريا لمصر خلال الحرب مع إسرائيل، واستمر حضور بعض وحداتها على الجبهة المصرية خلال حرب الاستنزاف، قبل أن تشارك مجددا في دعم القاهرة خلال حرب أكتوبر 1973، عبر إرسال طائرات وتعزيزات برية، من بينها اللواء المدرع الثامن.
أما في شمال إفريقيا، فقد خاض الجيش الجزائري حرب الرمال ضد المغرب سنة 1963، على خلفية خلافات حدودية أعقبت استقلال الجزائر، في مواجهة تركت آثارا سياسية وعسكرية عميقة في العلاقات بين البلدين. وتذكر بعض التقديرات الاستخباراتية الأمريكية تفوق القوات المغربية خلال الحرب القصيرة، فيما تلقت الجزائر دعما خارجيا من مصر وكوبا، في سياق الاصطفافات الدولية التي ميزت تلك المرحلة.
وتجددت المواجهة المباشرة بين قوات مغربية وجزائرية في يناير 1976 بمنطقة أمغالا، في سياق النزاع حول الصحراء والدعم الجزائري لجبهة “البوليساريو”. وأسفرت تلك المواجهات عن وقوع أسرى جزائريين، من بينهم 99 عسكريا وردت الإشارة إليهم في توثيقات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بينما ظلت أحداث أمغالا جزءا من الذاكرة العسكرية والسياسية المرتبطة بالخلاف المغربي الجزائري.
المؤسسة العسكرية واختبار القرار الجديد
ولا ينفصل النقاش حول إرسال القوات إلى النيجر عن الموقع الذي تحتله المؤسسة العسكرية في النظام السياسي الجزائري، والذي تشكل عبر مراحل تاريخية متعاقبة، من بينها انقلاب هواري بومدين على الرئيس أحمد بن بلة في 19 يونيو 1965. وقد تناولت دراسات أكاديمية متعددة دور الجيش في صناعة القرار وانتقالات السلطة داخل الجزائر، وهو ما يجعل القرارات المتعلقة بنشر قوات خارج الحدود ذات أبعاد سياسية تتجاوز الجوانب العملياتية وحدها.
وفي هذا السياق، يضع قرار إرسال وحدات عسكرية إلى النيجر القيادة الجزائرية أمام اختبار يتعلق بوضوح المهمة وقدرتها على التحكم في تطوراتها، خصوصا أن منطقة الساحل شهدت خلال السنوات الأخيرة تغيرات سريعة في التحالفات العسكرية والسياسية وتزايدا في نشاط الجماعات المسلحة. وقد يتيح الانتشار حماية بعض المصالح الاقتصادية وتعزيز التعاون مع نيامي، لكنه قد يفرض في المقابل التزامات إضافية إذا اتسع نطاق التهديدات أو تطورت الظروف الميدانية.
ويبقى تحديد الحصيلة السياسية والعسكرية لهذا القرار مرتبطا بما سيجري على الأرض، بدءا من عدد القوات ومكان تمركزها، وصولا إلى طبيعة مهامها وقواعد اشتباكها والمدة المقررة لبقائها. وحتى تتضح هذه المعطيات، يظل السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الجزائر ستتمكن من إبقاء وجودها العسكري في النيجر ضمن حدود حماية المصالح الطاقية، أم أن تعقيدات الساحل ستدفعها إلى تحمل أعباء أمنية أوسع مما تضمنته المبررات الأولية للانتشار.

