عادت آمال إعادة تشغيل مصفاة “لاسامير” بالمحمدية إلى الواجهة، عقب تداول معطيات بشأن عرض استثماري إماراتي تتجاوز قيمته 3.5 مليارات دولار، أي ما يعادل حوالي 34 مليار درهم، لاقتناء أصول المصفاة المتوقفة عن الإنتاج منذ غشت 2015، في خطوة قد تفتح مسارا جديدا لتسوية واحدة من أبرز الأزمات الصناعية التي يعرفها المغرب منذ أكثر من عقد.
ووفق مصادر من أوساط الاستثمار، فإن شركة “إم جي إم إنفستمانت” الإماراتية، التي يوجد مقرها بدبي، جددت اهتمامها بالاستحواذ على أصول المصفاة، وأعربت أمام رئاسة المحكمة التجارية بالدار البيضاء عن رغبتها في المضي قدما في مشروع الاقتناء وإعادة تشغيل الوحدة الصناعية، بعدما سبق أن رفضت المحكمة، خلال فبراير الماضي، عرضا تقدمت به الشركة نفسها بقيمة مالية مماثلة تقريبا.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه مصفاة “لاسامير” خاضعة لمسطرة التصفية القضائية التي انطلقت سنة 2016، وسط محاولات متكررة لتفويت أصولها إلى مستثمر قادر على استئناف نشاط التكرير، مع الحفاظ على الطابع الصناعي المتكامل للمنشأة.
خبرة تقنية قبل الحسم في الصفقة
وبحسب المصادر ذاتها، فإن المستثمر الإماراتي لم يكتف بتقديم عرض مالي، بل ربط المضي في عملية الاقتناء بالحصول على الموافقات الضرورية لتمكين فريق تقني متخصص من إجراء تقييم ميداني شامل لمختلف مرافق المصفاة، بما فيها وحدات الإنتاج والخزانات والتجهيزات الصناعية والبنيات التحتية المرتبطة بنشاط التكرير.
وتهدف هذه الخبرة إلى تحديد الوضعية الفعلية للمعدات التي ظلت خارج الخدمة لأكثر من عشر سنوات، ورصد الأضرار المحتملة الناتجة عن التوقف الطويل، فضلا عن تقييم مستوى التقادم التقني الذي قد يكون طال بعض المنشآت، وتقدير الاستثمارات الإضافية اللازمة لإعادة تشغيل المصفاة وفق متطلبات السلامة الصناعية والمعايير البيئية المعمول بها.
ويكتسي هذا الشرط أهمية خاصة بالنظر إلى أن القيمة المالية لاقتناء الأصول لا تعكس بالضرورة الكلفة الإجمالية لإعادة تشغيل المنشأة، إذ قد يتطلب استئناف نشاطها استثمارات إضافية في الصيانة والتأهيل والتحديث، بحسب النتائج التي ستسفر عنها الخبرة التقنية المرتقبة.
عرض يتجاوز قيمة مقترحات سابقة
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن العرض الإماراتي يعد من بين أعلى العروض المالية التي طرحت لاقتناء المصفاة منذ إطلاق طلب العروض الدولي سنة 2023، والذي شهد، وفق المصادر نفسها، اهتمام 15 جهة استثمارية تقدمت بمقترحات تراوحت قيمتها بين 1.5 و2.3 مليار يورو.
ورغم أهمية الغلاف المالي المعروض، فإن إتمام عملية التفويت يظل مرتبطا بالمساطر القضائية والقانونية الجاري بها العمل، وبمدى استيفاء العرض للشروط المطلوبة، إلى جانب نتائج التقييم التقني والمالي للمنشأة.
وفي انتظار الحسم في مستقبل المصفاة، تواصل المحكمة التجارية بالدار البيضاء اتخاذ الإجراءات المرتبطة بالحفاظ على أصول “لاسامير”، من خلال تجديد الإذن باستمرار التسيير الإداري، بما يسمح بصيانة المكونات الصناعية للمنشأة والحفاظ على إمكانية تفويتها كوحدة إنتاجية متكاملة، بدل التعامل معها باعتبارها معدات منفصلة.
توقف منذ 2015 وتحول نحو الاستيراد
وتعود أزمة “لاسامير” إلى غشت 2015، عندما توقفت المصفاة عن الإنتاج، بعدما كانت تتوفر على طاقة تكريرية تناهز 200 ألف برميل يوميا، وتساهم، وفق المعطيات المتداولة، في تغطية حوالي 65 في المائة من حاجيات السوق المغربية من المنتجات النفطية المكررة.
وأدى توقف المنشأة إلى فقدان المغرب قدرته الصناعية الرئيسية على تكرير النفط الخام محليا، مع الاعتماد على استيراد المنتجات البترولية المكررة لتلبية حاجيات السوق الوطنية، في وقت ظل فيه مستقبل المصفاة معلقا بين مسطرة التصفية القضائية ومحاولات التفويت المتعاقبة.
ويعيد العرض الإماراتي الجديد النقاش بشأن إمكانية استعادة نشاط التكرير بالمغرب، وما قد يتيحه ذلك من فرص صناعية واقتصادية، غير أن الانتقال من إعلان الرغبة في الاقتناء إلى إعادة التشغيل الفعلي يظل مشروطا باستكمال الإجراءات القضائية، والحصول على الموافقات اللازمة، وإنجاز الدراسات التقنية وتعبئة الاستثمارات المطلوبة.
وبين عرض مالي يتجاوز 34 مليار درهم واشتراطات تقنية مرتبطة بتقييم التجهيزات، تبقى الأنظار متجهة إلى المحكمة التجارية بالدار البيضاء لمعرفة مآل هذه المبادرة الاستثمارية، وما إذا كانت ستفتح الطريق أمام إنهاء أزمة “لاسامير” التي امتدت لأكثر من عشر سنوات.

