بقلم: الدكتور مصطفى راشد (عالم أزهري وأستاذ للشريعة والقانون)
كل كتب التاريخ الإسلامي والمسيحي واليهودي ذكرت أن النبي إبراهيم تزوج هاجر المصرية في مدين الوادي المقدس طوى بطور سيناء بمصر، وأنجبا في نفس المكان ابنهم إسماعيل، مما تسبب في غيرة زوجة إبراهيم الأولى سارة التي تقيم في فلسطين، فقالت لإبراهيم “يا أنا يا هاجر”، فقرر إبراهيم أن يعود لزوجته سارة ويترك هاجر وابنهما إسماعيل، على أن يعود لزيارتهما كلما أمكنه ذلك. وعاد إبراهيم إلى سارة بفلسطين. وكان من الطبيعي أن يترك هاجر وطفلها في الوادي المقدس طوى مكان أهل هاجر لرعايتهم وحمايتهم، وليس بمكة لأن الوادي المقدس طوى أقرب إلى فلسطين منه إلى مكة، لكننا فوجئنا بقصة وسيناريو صنعه بعض الفقهاء وهي أن الله أمر إبراهيم، دون وجود نص صريح صحيح بذلك، أن يأخذ هاجر وطفلهم إسماعيل ويذهبوا لمكة بمسيرة شهر بطريق ملىء بالخطورة والوحوش ويتركهم هناك بمنطقة صحراوية بلا ماء، وهو فعل خال من الرحمة، لا أعرف كيف جرؤوا على نسبته إلى الله تعالى، كما أنه أمر غير منطقي.
وحسم القرآن المسألة وحدد أن إبراهيم تركهم في الوادي المقدس طوى، إذ قالت الآية “ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع”، وكلمة واد بالآية لم تذكر بالقرآن إلا على الوادي المقدس طوى. فمكة لم يقل عنها القرآن أبدا أنها واد،
كما أن الوادي المقدس طوى فيه البيت المحرم، أي البيت المعمور، مثلما جاء في القرآن فى سورة الطور، في قوله تعالى “والطور. وكتاب مسطور. في رق منشور. والبيت المعمور”. فالآيات تقول إن سيدنا موسى استلم كتابه في الوادي المقدس طوى، فى رق، أى الواح في البيت المعمور، لأن الآيات معطوف على معطوف على معطوف. كما أن إبراهيم رفع قواعد البيت المعمور بالوادي المقدس، والطور هو نفسه الوادي المقدس أو مدين أو جبل التجلي، كما أنه بالمنطق، لو كان إبراهيم قدس الكعبة وذهب إليها، لفعل مثله اليهود والمسيحيون وقدسوا الكعبة قبل المسلمين كما قدسوا الوادي المقدس طوى وحجوا إليها، لكنهم لم يفعلوا ذلك أبدا مع مكة. ثم إن الكعبة بنيت قبل نزول الإسلام، أي وقت أن كانت مكة وثنية وجاهلية كما يقول الجهلاء، يعنى بناها الوثنيون. فلمن يحج ويعتمر المسلمون بمكة؟
وبئر زمزم موجود في الوادي المقدس طوى، لكن بئر مكة اسمه بئر جرهم نسبة إلى عائلة جرهم التي حفرت البئر. وأيضا موجود بالوادي المقدس طوى الصفا والمروة وجبل عرفات، لأن جبل موسى، قبل أن يقف عليه موسى، كان اسمه حوريب الرب عرفات، كما أن سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام حج بالوادي المقدس في بداية بعثته يوم الإسراء، وترك عهدة نبوية ممهورة بكف يده شاهدتها بعيني في متحف دير سانت كاترين الموجود بالوادي المقدس، والتي تتكلم عن حماية الدير والرهبان والحجاج لحمايتهم من العربان المسلمين اللذين كانوا يغيرون على الدير بالقتل والسرقة، فشكى الرهبان للنبي أثناء حجه فكتب لهم هذه العهدة، كما أن القرآن قالها صراحة حين أراد النبي شعيب مكافأة موسى على شهامته مع بنتيه حيث ملأ موسى لهم من بئر زمزم ليحميهم من الزحام، فقالت الآية: “قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج” (القصص 27). فقال ثمانى حجج ولم يقل ثماني أعوام، لأن الوادي المقدس طوى كان مكان الحج، تحسب فيه الأعوام بالحجة، ثم نقل الحج منذ حوالي ألف عام إلى مكة، بسبب قيام خلافة بمكة على يد عبد الله بن الزبير ضد خلافة الشام التي كانت تسيطر على الحج بالوادي المقدس طوى.

