جميلة هي “النية” و”رضاة الوالدين” و”العائلة” التي أصبحت شعار الجميع اليوم، بعد “الملحمة” التي وقع عليها “الأسود” في المونديال القطري، لكنها ليست كافية أبدا لصناعة المعجزات. ولعل “الكوتش” وليد الركراكي، الذي سوّق لها بقوة، أفضل من يعرف أن الإنجاز الذي حققه، كان نتيجة دراسة وعمل جاد وإرادة قوية لصنع التميز والنجاح، إضافة إلى الإمكانيات طبعا.
صحيح أن منظر الأمهات وهن يعانقن أبناءهن بعد كل هدف أو انتصار، كان جميلا ويحرك العواطف والمشاعر الأكثر برودة، إلا أن اللاعبين هم من كانوا يسجلون الأهداف ويبدعون ويصنعون التاريخ على أرضية الملعب. هم الذين “تقاتلوا” و”كلاو الدق”. وخلفهم، كان الداهية الركراكي يخطط و”يتكتك” ويفكر، ومعه طبعا كل الطاقم التقني والفني الذي لعب دورا كبيرا في ما تحقق. ولذلك، على الذين يعتقدون أن كل شيء ممكن وأن “المستحيل ليس مغربيا” ويكفي أننا “نديرو النية”، أن يراجعوا جيدا نظرتهم إلى الأشياء لأنها خاطئة تماما.
“النية” لم تكن أبدا شعار البلدان التي تقدمت وتسير منذ قرون في ركب التطور والازدهار. بل العمل ولا شيء غيره. إنه القيمة الفضلى والدين المقدس والقيمة التي تعلو على غيرها من القيم. وبدونه، لا يمكن للمجتمعات أن ترقى أو تطمح إلى حياة أفضل. وهو ما ينقصنا بالذات في مغربنا الذي تربى مواطنوه على الكسل والنوم والقيلولة وثقافة “السليت” والاتكالية على الآخر وإلقاء اللوم على القدر و”المكتوب” و”الزهر”.
المستحيل مغربي بالتأكيد، ما دام أبناؤنا يتربون على “التشلهيب” والكذب والنفاق ويتلقون منذ سنواتهم الأولى في الحياة دروسا في كيفية كسب المال بأسهل الطرق حتى ولو كانت أقذرها. المستحيل مغربي طبعا ما دام الرجال المناسبون والنساء المناسبات في غير أماكنهم (هن) المناسبة، وما دامت الإرادة في التغيير الحقيقي غائبة عن سياساتنا وما دام الفساد مستشريا في إداراتنا والشك والريبة تنخر علاقاتنا ومادام الظلم و”الحكرة” تمارس على الضعفاء فينا في حين يسرق أقوياؤنا أموالنا دون عقاب ويستبيحون ثرواتنا. المستحيل مغربي وسيظل كذلك إلى أن يسقط نظام الريع الذي يعيق بلادنا عن كل خطوة إلى الأمام. فكيف أمام كل هذه القتامة، ما زلتم ترفعون شعار “دير النية ونعس حدا الحية”؟ ألم تكفكم كل لدغاتها السامة والقاتلة؟
يطمح الكثيرون منا أن تحقق مجالات أخرى ما حققه الركراكي و”وليداتو” في الرياضة. وهو طموح مشروع في الواقع، مع أنه حالم و”يوطوبي”… لكنهم يتناسون أن الأمر يتعلق ب”جلدة منفوخة بالهواء” لا غير. الكرة ليست هي الصحة وليست هي التعليم وليست هي القضاء وليست هي العدالة الاجتماعية وليست هي الحريات الفردية وليست هي المساواة وهلم تحديات يصعب على المغرب رفعها في ظل ما هو قائم وكائن وموجود ومعروف. إنها ليست نظرة تشاؤمية مع مدخل هذه السنة الجديدة… إنه الواقع المر والحقيقة التي علينا أن نقبلها، ف”الدياغنوستيك” الجيد والسليم والاعتراف بالمرض، أول خطوة نحو العلاج. وإلا فإن “نية العما” ستظل دائما في عكازه.


