كلما ثارت ضجة حول الفساد، خرج إلينا أشباه السياسيين بلغة المال والجاه. بعد فضيحة اتهام نائب رئيس جامعة كرة القدم محمد بودريقة ببيع التذاكر بمونديال قطر والاتجار في فرحة المغاربة طيلة المنافسات العالمية، خرج عضو المكتب السياسي لحزب أخنوش، رئيس الحكومة، ليقول للمغاربة “حنا عائلة مرفحين ولاباس علينا”. تفاخر “مول الملاسة”، كما يصفه جمهور الرجاء، على المغاربة بالمال الذي جناه من عمليات عقارية بعضها موقوف بقرارات إدارية للسلطة الى يومنا هذا، وأخرى موضوع أبحاث تباشرها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية.
ثم جاءت الفضيحة المدوية. العار المغربي. فضائح المحاباة في مباراة المحاماة. بطلها وزير العدل وفريقه الذين عصفوا بأحلام آلاف الشباب من أبناء المغاربة بعد الإعلان عن نتائج أشبه بالسريالية كشفت حقيقة أن الزبونية والمحسوبية أقوى من كل الخطابات الملكية حول الإصلاح وتخليق الحياة العامة وووو.. وأن بعض المسؤولين لا يعيرون اهتماما لوصايا ملك البلاد بأبناء شعبه العزيز!
بعد أن انفضحت حقيقة الأسماء الناجحة في امتحان المحاماة وانكشفت للرأي العام ارتباطاتها بأسرة وزير العدل الكبيرة والصغيرة، وبشبكة أكبر تضم موظفين بوزارة العدل نفسها ومحامين وقضاة وسياسيين وحزبيين، أراد عبد اللطيف وهبي أن يمارس الهواية نفسها التي اعتادها دائما، لكن “تخراج العينين” والصراخ بصوت أعلى فضح ورطته هذه المرة.
الوزير وهبي ذكرنا بما فعل بطل فضيحة تذاكر المونديال بودريقة، حين صرح بأنه “مرفح ولاباس عليه وقرا ولدو في الخارج”. ورغم أن السؤال كان حول ابنه الذي أُعلن عن اسمه ناجحا في امتحان المحاماة، فإن الجواب كان مستفزا لمشاعر آلاف الطلبة وأسرهم الفقيرة التي تكتوي بغلاء الأسعار، بينما ينعم الوزير عبد اللطيف وهبي وابنه بامتيازات الشأن العام والمال العام!
يبدو أن جواب وزير العدل بعد فضيحة المحسوبية والزبونية والحزبية يتجاوز كل معايير تحليل علم السياسة ويحتاج لتفسيره بقواعد علم التحليل النفسي السيكولوجي. وفي انتظار ذلك، يمكن للوزير المحامي أن يجيب المغاربة: من أين لك هذا؟ من ملفات المحاماة؟ وأية ملفات؟ أم من السياسة؟ وهو الذي قفز على دائرة انتخابية في تارودانت بعد أن ترافع عن أحد أعيانها وبرلمانييها بالوراثة محمد بورحيم في ملف احتجاز أستاذ بضيعة، قبل أن تحكم ببراءته. وقبل ذلك، جرب وهبي القفز الحزبي بين الاتحاد الاشتراكي والطليعة الديمقراطي ثم الأصالة والمعاصرة.
وهبي، الذي فضحه مصطفى الرميد، وزير العدل السابق أمام الملأ، وداخل مؤسسة دستورية هي البرلمان، حين اتهمه أنه جاء إليه يسعى منصبا في لجنة إصلاح العدالة، وهو رئيس لفريق الأصالة والمعاصرة “المعارض” بمجلس النواب! فرفضه الرميد ورده خائبا. هو نفسه وهبي الذي يتبجح على المغاربة بأمواله ونفوذه ودراسة ابنه في كندا، في سلوك مستفز للمغاربة وحاط من كرامة وسمعة الجامعة المغربية والتعليم العمومي؟! وهو نفسه وهبي الذي تراجع وخفض من حدة خطابه بعد أن أفسد الليلة كلها على الدولة وخطاباتها الاصلاحية. فسلوكه السياسي مبني على “تخراج العينين” بداية لا أكثر. لكن ليس في كل مرة تسلم الجرة. وأخيرا هو وهبي نفسه الذي أعلن إنه لن يكون وزيرا في حكومة يقودها أمين عام حزب آخر، في إشارة إلى عزيز اخنوش، وبعد انتخابات 2021، طلع علينا وزيرا لوزارة العدل التي بصم تاريخها بأكبر فضيحة زبونية ومحاباة في تاريخ المغرب المعاصر. لعل من سوء حظه هذه المرة أنه وقع بين أيدي جيل لا شغل له إلا مواقع التواصل الاجتماعي، يجد فيها ضالته وبيده ينقر ويدون ويكتب ضد الفساد.
إن مثل هذه الممارسات والعنتريات اللامسؤولة لوزير العدل وغيره، تزيد حدة الاحتقان وتزرع اليأس وتحبط عزيمة المغاربة الذين فرحوا لعفوية الملك وتبسموا لفرحته العارمة بين أبناء شعبه وأمهاتهم في استقبال أسود الأطلس أكثر من فرحتهم ببلوغ نصف نهائي كأس العالم.
مثل هذه النخب السياسية تؤجج بخطاباتها المقيتة الكراهية والحقد الاجتماعي والسخط الجماعي وتخرج الصابرين منهم عن صبرهم. وتضرب في العمق كل أمل!

