يعرف المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة تصاعدا كبيرا في مظاهر العنف في مختلف مناحي الحياة، من شوارع المدن إلى المؤسسات التعليمية، وصولا إلى قلب الأسر. ورغم أن هذه الظاهرة ليست حكرا على مجتمع دون آخر، إلا أن وتيرة انتشارها وتوسع رقعتها في السياق الوطني يثير قلقا بالغا. لقد غدا العنف ينتشر في صفوف مختلف الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية، الأمر الذي يطرح تساؤلات ملحة حول جذوره العميقة وسبل التصدي الفعال له.
يعتبر العنف عرضا من أعراض جذور أزمة عميقة متشابكة الأبعاد، اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وليس مجرد سلوك فردي معزول. فعلى الصعيد الاجتماعي، تعيش العديد من الأسر تحت وطأة ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية خانقة. ويكشف تقرير صادر عن المندوبية السامية للتخطيط في عام 2023 عن معطى صادم، مفاده أن أكثر من نصف النساء المغربيات تعرضن لشكل من أشكال العنف خلال حياتهن، وغالبيتهن داخل محيط الأسرة، مما يعكس هشاشة الروابط الأسرية وتراجع قنوات الحوار البناء.
أما اقتصاديا، فيعد الفقر والبطالة تربة خصبة لتفشي العنف، فبحسب الإحصاء العام للسكان لسنة 2024 فقد تجاوزت نسبة البطالة 21%، وهو ما يزيد من الشعور بالتهميش والإحباط، ويدفع البعض نحو الجريمة أو اللجوء إلى العنف كشكل من أشكال التعبير عن الغضب أو الاحتجاج.
أما في الجانب الثقافي، فلا يزال العنف يعتبر في بعض الأوساط و خاصة الشعبية على أنه سلوك مقبول أو حتى مبرر في سياقات معينة مثل الدفاع عن الشرف أو إثبات الذكورة، مما يعكس تحديات عميقة في بناء وعي جماعي سليم يرفض كافة أشكال العنف.
وبالعودة الى التقرير الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سنة 2023 فانه يحمل أرقام صادمة حيث أكد أن 73% مـن الأساتذة يلجؤون إلى العقاب البدني وصرح 54% منهم بأنهم يضربون التلاميذ بالمسطرة أو العصا أو الأنبوب المطاطي(التيو)، في حين صرح 29% منهم أنهــم يضربون التلاميذ بأيديهم أو يركلونهم بأقدامهم. أما بخصوص التلاميذ الذين شملهم الاستطلاع، صرح 87% منهـم أنهم تعرضوا للضرب، وأكد 60% منهم أنهم تعرضوا للضرب بالمسطرات أو العصي أو الأنابيب المطاطية(التيو).
وكشف البحث الميداني في التقرير أن التحرش يعرف انتشارا واسعا في المؤسسـات التعليمية حيث أن 15.2% مـــن تلامذة الابتـدائي و29.7% مـن تلامذة الثانـوي أفـادوا أنهـــم تعرضـــوا للتحـــرش في مدارسـهم، وأكد 34%من الابتدائي و25.4% مـن الثانوي أن التحـرش كان ذا طابــع جنـسـي. وأظهـر البحـث كذلـك أن 21.2%مـن تلامـذة الابتـدائي و38.9% مـن تلامـذة التعليـم الثانـوي صرحـوا أنهـم يعرفـون بعـض ضحايـا التحـرش الجنسـي من الذكـور والإنـاث.[1]
و من جهة أخرى هناك عنف في الاتجاه المعاكس ظهر مؤخرا و هو المتمثل في الاعتداء على الأساتذة كان اخرها الحادث الأليم الذي أودى بحياة أستاذة على يد طالبها و رجال السلطة (اخرها صفع مواطنة لقائد بمدينة تمارة) و كذلك انتشار الجرائم ضد الاصول، و هنا يمكن الحديث عن أن العنف بدأ يتخدد منحى عكسيا ، حيث أصبح الجلاد ضحية و الضحية جلادا ان صح القول، لأنه في المتخيل الجمعي كان دائما من يمارس العنف هو الاب أو الام أو الأستاذ أو رجل السلطة و كان ذلك مقبولا نسبيا من المجتمع ، و يكفي أن تسأل أبناء السبعينات و الثمانينات ، فمجرد التجرؤ و الشكوى للأب أو الام من تصرف الأستاذ كفيل بأن يكمل الاب أو الام ما بدأه الأستاذ.
إن مواجهة هذه الآفة تتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين. فالأسرة تتحمل مسؤولية كبرى في غرس قيم الحوار والتسامح والتربية السليمة في نفوس الأبناء، وتحصينهم ضد الانفعالات والسلوكات العنيفة. أما المدرسة، ورغم الجهود المبذولة، لا تزال بحاجة إلى تطوير آليات فعالة للوقاية من العنف، مما يستدعي مراجعة شاملة للمناهج والمقررات وتكوين الأطر التربوية وجعل التربية النفسية جزء لا يتجزأ من هذه البرامج.
وتلعب وسائل الإعلام دورا محوريا في هذه المعركة، حيث يجب أن تتحول من ناقل سلبي لصور العنف إلى أداة فاعلة في بناء ثقافة اللاعنف، من خلال تسليط الضوء على النماذج الإيجابية وتقديم خطاب بديل يعزز القيم الإنسانية النبيلة. وعلى صعيد الدولة، فالمطلوب هو تبني سياسات عمومية شاملة تدمج مقاربة الوقاية من العنف في مختلف القطاعات، ودعم المجتمع المدني الذي يعمل في مجال الوساطة الاجتماعية والتربية على المواطنة.
إن العنف ليس قدرا محتوما، بل هو نتاج اختلالات بنيوية قابلة للمعالجة. ولا يمكن تحقيق السلم المجتمعي المنشود إلا من خلال استثمار حقيقي في الإنسان، في تربيته وتعليمه وكرامته ومحيطه الاجتماعي و خاصة الاسرة السليمة. فالرهان اليوم لا يقتصر على الردع القانوني والمقاربة الامنية، بل يمتد ليشمل الوقاية التربوية والثقافية. فمغرب العدالة والتعايش يبدأ من الأسرة والمدرسة والإعلام، وينطلق من إرادة سياسية تضع الإنسان في صلب أولوياتها.
بقلم: هشام بنوشن (باحث في العلوم السياسية)

