Site icon H-NEWS آش نيوز

من حكمة القرار إلى فوضى التطبيق.. الأضحية بين طقس متجذر وإصلاح مؤجل

عيد الأضحى

في مشهد يعكس تناقضا اجتماعيا لافتا، يواصل عدد كبير من المواطنين المغاربة شراء الأضاحي سرا رغم الدعوة الملكية الصريحة هذا العام إلى الامتناع عن ذبحها، وفي ظل وضعية اقتصادية صعبة وظروف مناخية حرجة تهدد الأمن الغذائي الحيواني للبلاد. المفارقة لا تقف عند حدود تجاهل الدعوة، بل تمتد إلى سلوكيات متضاربة تظهر أن طقس الأضحية، ورغم تكاليفه المرتفعة، لا يزال متجذرا في الوجدان الشعبي، بشكل يفوق أحيانا منطق العقل والمعيش اليومي.

دعوة ملكية بنيت على الحكمة والواقع

وفي سابقة تعكس الإدراك العميق للواقع، وجه الملك محمد السادس نداء يحمل طابع الهيبة والإنصاف، دعا فيه المواطنين إلى عدم ذبح الأضاحي هذه السنة، مراعاة لحالة القطيع الوطني المتأثر بالجفاف وندرة الأعلاف، وأيضا نظرا لانهيار القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع. وقد لاقت هذه الدعوة في بدايتها ترحيبا رسميا وإعلاميا، وتم تصويرها كخطوة مسؤولة من القيادة تسعى لتخفيف العبء عن المواطن وتفادي استنزاف الثروة الحيوانية.

من الشكوى إلى الإنفاق.. تناقضات مكشوفة

غير أن الواقع في الأسواق سرعان ما كشف وجها آخر. فمع اقتراب عيد الأضحى، عادت حركة بيع وشراء الأكباش إلى الواجهة، وإن في أجواء أقل علنية. وتحدث بعض المواطنين عن اقتناء الأكباش “بغرض العقيقة أو مناسبة خاصة”، غير أن تصريحات العديد من “الكسابة” أكدت أن الغالبية يشترونها بهدف ذبحها يوم العيد. واللافت أن هذه العودة للشراء تمت في ظل أسعار وصفت بـ”المرتفعة”، حيث تراوحت أثمنة الأضاحي بين 3000 و5000 درهم، ووصلت تكلفة “الدوارة” إلى 600 درهم، كما رصدت كاميرا “آش نيوز” من بعض الجزارين، ورغم ذلك لم تمنع هذه الأرقام الإقبال عليها.

من طقس ديني إلى واجب اجتماعي

ومن خلال هذا السلوك، يكشف هذا الفعل عن خلل عميق في الإدراك المجتمعي المغربي تجاه القضايا العامة، حيث لم تعد الأضحية مجرد شعيرة دينية، بل تحولت إلى طقس اجتماعي، وربما “إلزام رمزي”، يخشى الكثيرون فقدانه. وفي نظر الكثير من الأسر، تمثل الأضحية صورة من صور الانتماء والكرم، ويعتبر عدم اقتنائها نوعا من التقصير تجاه الأبناء أو فقدان لمكانة اعتبارية داخل المجتمع، حتى لو تم ذلك على حساب الضرورات الاقتصادية.

أين الخلل؟ ضعف الوعي أم فجوة في التواصل؟

هذا التناقض الصارخ بين الشكوى العلنية من الغلاء والشراء السري للأكباش يسلط الضوء على هشاشة العلاقة بين القرار السياسي والسلوك الشعبي، ويفتح الباب على مصراعيه للتساؤل حول أسباب ضعف الامتثال المجتمعي، فهل يعود الأمر إلى غياب حملات توعوية فعالة تشرح أبعاد القرار الملكي وتربطه بمصلحة المواطنين؟ أم أن الانصياع للعرف الاجتماعي يتفوق على حس المسؤولية الوطنية في مثل هذه المناسبات؟

وفي الواقع، يعكس هذا المشهد غياب خطاب إعلامي مواكب للقرار، قادر على تفكيك رمزيته وترجمتها بلغة الناس. فمجرد دعوة تصدر من رأس الدولة، مهما كانت عظمتها، لا تكفي وحدها لتغيير أنماط متجذرة في الثقافة المجتمعية دون دعم بمقاربة تشاركية تعتمد على الحوار والمواكبة والتأطير المستمر.

ضرورة إعادة بناء الثقة والوعي

ما كشفته واقعة الأضاحي هذا العام هو أننا لسنا فقط أمام أزمة اقتصادية أو اجتماعية، بل أمام أزمة وعي جماعي وثقة مؤسساتية. فحين يطلب من المواطن التضامن مع بلده، لا بد أن يشعر بأنه جزء من القرار، وأن مشاركته تعني شيئا حقيقيا وملموسا في تحسين الواقع، لا مجرد امتثال رمزي.

وإلى أن تتحقق هذه المعادلة، ستبقى المظاهر الاحتفالية تطغى على المصالح الوطنية، وسيبقى المغاربة يتأرجحون بين ما يطلب منهم علنا وما يمارس في الخفاء. وهنا، تبرز مسؤولية الإعلام، والمؤسسات الدينية، والمجتمع المدني، في استعادة مسار الوعي، حتى لا يضيع نداء العقل وسط ضجيج العادة.

Exit mobile version