حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة
في الوقت الذي عرف بعض الصحافيين والإعلاميين، بتوجهاتهم الفكرية الواضحة، ومواقفهم التي يعرفها القاصي والداني منذ سنوات خلت، (وأغلبهم يعيش في مستوى خط الفقر أو تحته قليلا)، تثير نوعية أخرى من الصحافيين، العديد من التساؤلات لدى المتتبعين، بسبب ازدواجية الخطاب الذي تتبناه، وتغييرها لمواقعها ومواقفها، حسب المنفعة الخاصة. وبعد أن كانت تطبل للإنجازات و”تبندق” لأصحابها، تجدها، بين ليلة وضحاها، تهاجم وتنتقد وتجيّش، فتجعلك تطرح على نفسك “إنّ” كبيرة، حول حدود الحياد المهني والميولات “المصلحجية”.
في مشهد إعلامي يطالب بثبات المبادئ وسط رياح التوظيف السياسي، يبرز بعض الصحافيين/المؤثرين كحالة مثيرة للجدل والتساؤلات. هل نحن أمام صحافيين ذوي رؤية واضحة، أم مجرد “معلقين ظرفيين” يحاكون مصالح من يدفع لهم أكثر ويبحثون عن مواقع لهم ومناصب تؤمن لهم مستقبلا زاهرا بدل “التحوفير” الذي يميز مهنة المتاعب. فهم مرة يدافعون باستماتة عن جهة معينة، يعددون مناقبها ومزاياها في المنابر الإعلامية والنقاشات التلفزيونية، ثم فجأة، يقفزون بخفة من يجيد اللعب على الحبلين، إلى الجهة الأخرى، حاملين الرشاشات يقذفون برصاصها الجهة نفسها التي كانوا بالأمس في صفها. ولا يكاد يذكر اسمهم دون أن يرتبط بنقاشات حادة حول خطهم التحريري ومواقفهم المتحولة وقراءاتهم المتبدلة حسب مدى استفادتهم من الظرف السياسي ومن الفاعل الأقوى في الساحة.
تحرك وفق قاعدة “الجهة الرابحة”
في أكثر من مناسبة، يعكس بعض هؤلاء الصحافيين انخراطا واضحا في منطق “الانحناء للعاصفة”، حينما يغيّرون من نبرة تحليلهم أو اتجاه انتقادهم بمجرد تغير التوازنات السياسية أو تبدل مواقع القوى، أو أحيانا لمجرد رفض طلباتهم الملحة التي لا تحتمل انتظارا. ففي الوقت الذي ينتقدون فيه بشدة مؤسسات بعينها، يعودون لاحقا ليثنوا على أدائها دون أي تفسير منطقي أو قراءة سياسية متماسكة، ما يجعل بعض متابعيهم يتساءلون: هل يخضع خطهم التحريري لمراجعات فكرية ناضجة؟ أم أنه يتحرك وفق قاعدة “مع الجهة الرابحة”؟
دعارة القلم
في دول ديمقراطية، يتبجحون بها دائما في مقارناتهم وتحليلاتهم، يعتبر الصحفي مرآة نقدية للمجتمع، لا تابعا لصاحب السلطة أو الرابح في اللعبة السياسية. غير أن حالة بعض الصحافيين عندنا تعيد إلى الواجهة جدلا أعمق حول استقلالية الإعلامي في المغرب، ومدى تغلغل منطق التموقع الظرفي والمصلحجي في خطاب بعض الأصوات الصحافية، التي بدل أن تحافظ على مسافة نقدية من الجميع، تغازل من يملك السلطة أو الجمهور أو الرصيد السياسي الأكبر، وفي حال لم “تقض الغرض”، تتحول منه إلى جهة أخرى، مثل عاهرة تمنح “قلمها” لمن يتكرم عليها أكثر.
تقلب المواقف
إن ازدواجية بعض الصحافيين لا تعني فقط تقلب المواقف، بل تعكس كذلك أزمة أوسع تتعلق بالصحافة التحليلية المغربية، التي أصبحت في جزء منها أسيرة لـ”منطق القرب” و”جاذبية الرابح”، على حساب التحليل المعمق والاستقلالية الفكرية. والسؤال الجوهري هنا، هل يمكن لصحفي يبدل رأيه مع تغير المصالح والمنفعة الخاصة أن يبقى مرجعا موثوقا في أعين الجمهور؟
الثبات على المبدأ
حالة هؤلاء الصحافيين، بما تحمله من إشكالات في الخطاب والتوجه، ليست معزولة. لكنها تسلط الضوء على ضرورة تجديد النقاش حول أخلاقيات المهنة، والعودة إلى قيم الثبات على المبدأ، والوضوح في المواقف، مهما كانت كلفة ذلك. ففي مهنة لا تعترف إلا بالمصداقية، لا مجال للحياد المغشوش ولا للمواقف المفصلة على المقاس، لأن مصيرها “الفرشة” مع القراء والمتابعين، مهما تزينت في الكلمات المنمقة والنقاشات الزائفة التي تطرح لغرض في نفس “يعقوب”.


