Site icon H-NEWS آش نيوز

ميناء شرشال.. سقوط آخر لحلم جزائري مؤجل

ميناء شرشال

في مشهد يعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول القدرة التنفيذية للدولة الجزائرية، أعلنت الصين عمليا إنهاء شراكتها مع الجزائر في مشروع “ميناء الحمدانية” (ميناء شرشال)، الذي طالما سوقته السلطات الجزائرية كأحد أعمدة التنمية الاقتصادية المستقبلية، منذ عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ومرورا بعهد الرئيس الحالي عبد المجيد تبون.

المشروع الذي كان من المفترض أن يحول الجزائر إلى بوابة بحرية كبرى على المتوسط، انتهى إلى ما يشبه الفشل المعلن، بعد تعثر طويل وتوقف غامض في الأشغال، تبين معه أن الإشكال لم يكن مرتبطا فقط بالتمويل، بل بعوامل أعمق، تشمل العراقيل التقنية والهندسية، إضافة إلى غياب بنية مؤسساتية صلبة قادرة على احتضان مشاريع بهذا الحجم، حتى مع دعم دولة عظمى كالصين.

مفارقة مزعجة.. الجزائر بثرواتها والمغرب بقدراته

واللافت في هذا السياق أن الجزائر، الدولة الغنية بالبترول والغاز والحديد، ما زالت، بعد أكثر من ستة عقود من الاستقلال، عاجزة عن إنجاز ميناء في المياه العميقة، قادر على استقبال البواخر العملاقة. بينما في الجهة الغربية، استطاع المغرب، رغم محدودية موارده الطبيعية، أن ينجز ويشغل بنجاح موانئ استراتيجية كـ”ميناء طنجة المتوسط” — الذي يصنف من بين الأفضل عالميا — إلى جانب “ميناء الدار البيضاء”، ويقترب من إنهاء “ميناء الناظور غرب المتوسط” و”ميناء الداخلة الأطلسي”.

ووفق تقارير متقاطعة، يتم شحن نسبة مهمة من الواردات الجزائرية عبر موانئ أجنبية، ضمنها ميناء طنجة المتوسط، حيث تصل السفن العملاقة وتفرغ حمولاتها لإعادة شحنها في سفن صغيرة موجهة نحو الموانئ الجزائرية غير المؤهلة. مشهد يبرز الفجوة الكبيرة في البنية التحتية البحرية، ويطرح سؤال السيادة اللوجستيكية في بلد يوصف رسميا بأنه “قوة اقتصادية إقليمية”.

الصمت الرسمي يطوق الأسئلة

في المقابل، يغيب التوضيح الرسمي حول فشل المشروع، رغم التسريبات الصحفية التي تتحدث عن انسحاب صيني بسبب تعقيدات طوبوغرافية وفنية. هذا الغموض يفتح الباب أمام تأويلات داخلية وخارجية، ويغذي إحساسا بالإحباط داخل الجزائر، في ظل تصاعد الخطاب الرسمي الذي يعد بمشاريع عملاقة لا ترى النور.

والمفارقة التي لا تخفى على المتابعين، أن الجزائر التي ترفع شعارات “الاستقلال التام عن فرنسا” و”التحرر الاقتصادي”، ما تزال تعاني من غياب شركات وطنية قادرة على تنفيذ مشاريع بنى تحتية كبرى دون الاعتماد على شركات تركية أو صينية أو روسية. في المقابل، يعكس النموذج المغربي قدرة واضحة على تعبئة الكفاءات الوطنية وتصدير الخبرات إلى الخارج، حتى في مجالات معقدة كالموانئ والمطارات والملاعب.

المشروع يسقط.. لكن الدرس لا يستوعب

إن سقوط مشروع ميناء شرشال ليس مجرد فشل هندسي أو مالي، بل يمثل درسا استراتيجيا في غياب الرؤية الواقعية، وإهدار الزمن السياسي والاقتصادي في الترويج الإعلامي بدل الفعل التنموي. وقد آن للجزائر أن تعيد تقييم أولوياتها، وتقر بأن بناء القوة الإقليمية لا يتم عبر الشعارات، بل عبر مؤسسات فاعلة، واستثمار حقيقي في الإنسان والمهارة الوطنية.

Exit mobile version