في خطوة تؤكد تشديد الرقابة على التدبير المالي المحلي، أوقفت وزارة الداخلية المصادقة على ميزانيات أزيد من 20 جماعة ترابية، إثر اكتشاف خروقات وصفت بـ”الجسيمة”، شملت تخصيص اعتمادات مالية “منفوخة” دون مبررات واقعية، أبرزها اقتناء سيارات رباعية الدفع، وأتعاب محامين، وتعويضات عمال الإنعاش الوطني، فضلا عن مصاريف مبالغ فيها للبنزين.
وبحسب مصادر من المديرية العامة للجماعات المحلية، فإن المراجعة الدقيقة لكشوفات الميزانية أظهرت أن عددا من الجماعات الترابية خصصت مبالغ ضخمة لشراء سيارات فاخرة، رغم توفرها مسبقا على أساطيل كافية لتأمين تنقل مسؤوليها. كما تم تسجيل تضخيم كبير في بنود تتعلق بالاحتفالات، والتعويضات عن الأعمال الشاقة، بشكل أثار الشكوك حول دوافع هذه النفقات.
مصاريف مشبوهة ومحامون خارج القانون
ومن بين أكثر البنود المثيرة للريبة، يبرز ملف أتعاب المحامين، حيث رصدت الوزارة اعتمادات مرتفعة مخصصة لاستشارات قانونية دون سند قانوني واضح، علماً أن التشريع ينص على ضرورة الاستعانة بمحامين معتمدين لدى المجالس. وهو ما دفع الداخلية إلى رفض هذه المصاريف بشكل صارم.
كما طالت الاختلالات بنودا أخرى مثل برامج محاربة القوارض والحشرات، وشراء معدات تقنية غير ذات أولوية، إلى جانب رصد مبالغ مبالغ فيها للجنة تنظيم مباريات الكفاءة المهنية، التي لا تتجاوز أربعة أعضاء، ما يعكس اختلالا واضحا في منطق صرف المال العام.
غياب أغلبيات واضحة وضغوط سياسية
وتفيد المعطيات أن عددا من المجالس يعيش حالة من الجمود بسبب غياب أغلبيات منسجمة، ما فسح المجال أمام محاولات تمرير الميزانيات في إطار صفقات سياسية داخلية، وهو ما واجهته الوزارة بقرارات حاسمة لتوقيف المصادقة، وإرجاع الميزانيات إلى مصدرها من أجل التعديل والتدقيق.
ويأتي هذا الإجراء في إطار المقاربة الجديدة التي تنتهجها وزارة الداخلية للحد من سوء تدبير المال العام، وفرض الصرامة في مراقبة مالية الجماعات الترابية، خاصة بعد تكرار فضائح الميزانيات في السنوات الأخيرة، ما دفع الوزارة إلى التأكيد على تعزيز مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير الشأن المحلي.


